طريقة بناء أهل الدنيا لمساكنهم وقصورهم تختلف من وقت لآخر ومن مكان إلى مكان، لكنها لا تخرج على أن تكون من الجريد أو الشعر أو الخشب أو الطين أو الحجر أو الحديد أو الزجاج والبلوك والخراسان وما شابهه ذلك.
وأما الجنة فلها حال آخر ووصف آخر لا شبيه له في الدنيا لا قبلا ولا بعدا، فورد أن بناء الجنة يكون من لبنات الذهب والفضة، وورد أن هناك قصورا بناؤها وجدرانها وغرفها من لؤلؤ ودر وزبرجد وزمرد وياقوت.
وهذا ما لا يقدر على بنائه أغنى أغنياء الدنيا مهما كانت خزائنه وممتلكاته.
وورد أيضا أن الملاط والخلط الذي يكون بين اللبنات ويلصقها ببعضها هو المسك الأذفر.
في حديث سمرة - رضي الله عنه - في البخاري في رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه: (قال قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة، لم أر روضة قط أعظم منها ولا أحسن، قال قالا لي: ارق فيها، قال: فارتقينا فيها فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا، فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قال قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، قال: وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة قال قالا لي: هذه جنة عدن) .
والشاهد هو قوله: (مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة) وفسره في الحديث بجنة عدن.
قال الحافظ في الفتح:" (قالا لي هذه جنة عدن) يعني المدينة."انتهى.
روى البيهقي في البعث والنشور من طريق العلاء بن زياد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (الجنة لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، ترابها زعفران، وطينها مسك) . وإسناده صحيح.
قال المناوي في الفيض:" (الجنة) أي أبنيتها (لبنة من ذهب ولبنة من فضة) بين به أنها مبنية بناء حقيقيا، دفعا لتوهم أن ذلك تمثيل، وأن ليس هناك بناء، بل تتصور النفوس غرفا مبنية كالعلالي بعضها فوق بعض حتى كأنها تنظر إليها عيانا."انتهى.