ومادة هذا الشراب لم يخبرنا الله عنها ما هي؟ وهذا يدل على أن شأنه عظيم، وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن الحسن: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} قال: خفايا أخفاها الله لأهل الجنة.
وقد مضى الكلام بالتفصيل على هذه العين في عيون أهل الجنة.
قال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} .
الكافور نوع من أنواع الطيب يستخرج من نبات معين، قال في القاموس المحيط:"الكافور: نبت طيب نوره كنور الأقحوان".
فهذا شراب في الجنة من طيب الكافور يشرب منه أهل الجنة تلذذا وتنعما، تخلط لأصحاب اليمين مع غيرها، ويشرب منها المقربون عباد الله خالصة ليست ممزوجة.
روى ابن جرير بإسناد حسن عن مجاهد قوله: {مِزَاجُهَا كَافُورًا} قال: تمزج.
وروى بإسناد حسن عن قتادة قوله: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا} قال: قوم تمزج لهم بالكافور، وتختم لهم بالمسك.
قال ابن جرير في تفسيره:"ويعني بقوله: {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} يروى بها وينتقع، وقيل: يشرب بها ويشربها بمعنى واحد، وذكر الفراء أن بعضهم أنشده:"
شربن بماء البحر ثم ترقعت ... متى لجج خضر لهن نئيج""
انتهى.
قال ابن القيم في الحادي:"وقد اختلف في قوله: (يشرب بها) فقال الكوفيون الباء بمعنى (من) أي يشرب منها، وقال آخرون: بل الفعل مضمن، ومعنى يشرب بها: أي يروى بها، فلما ضمنه معناه عداه تعديته، وهذا أصح وألطف وأبلغ، وقال طائفة: الباء للظرفية والعين اسم للمكان كما تقول كنا بمكان كذا وكذا، ونظير هذا التضمين قوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} ضمن معنى يهم فعدى تعديته، وقال تعالى:"