وقوله تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} ، وقوله تعالى: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} . إلا في قوله: {فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} فقط. ولعل السر في هذا والله أعلم تعظيم أمر الجنة بتقدم ذكرها.
قال البيضاوي في تفسيره"فإنها المأوى الحقيقي والدنيا منزل مرتحل عنها لا محالة"انتهى.
وقد جاءت بعض النقول عن بعض السلف تفيد أن جنة المأوى هي جنة من الجنان وليست الجنة المعهودة، فبعضهم يقول إنها تأوي إليها أرواح الشهداء وغير ذلك. وكله إما مما لا يصح سندا، كأثر ابن عباس في تقسيم الجنان إلى سبع، أو مما لا دليل عليه كبعض الآثار الواردة عن السلف من التابعين وغيرهم، وإما من الإسرائيليات كما ورد عن كعب الأحبار وتلقاه عنه ابن عباس كما بينته في مكان الجنة، والصحيح كما ذكر ابن القيم أنها الجنة التي وعد المتقون للآيات العامة السابقة التي تدل على أنها الجنة المعهودة.
قال تعالى عن أهل الجنة: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} .
قال ابن القيم في الحادي:"قال الفراء والزجاج: المقامة مثل الإقامة، يقال أقمت بالمكان إقامة ومقامة ومقاما."انتهى.
المقامة: مصدر ميمي أي الإقامة، وسميت الجنة بذلك لأن أهلها يقيمون فيها خالدين ولا يتحولون عنها، وقد روى ابن أبي شيبة عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة فإن جار البادية يتحول) . والمقصود هنا بدار الإقامة المدينة فإن المقام فيها غالبا يكون دائما بعكس البادية.
روى ابن جرير عن قتادة في تفسير قوله تعالى: {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ} أقاموا فلا يتحولون.