الجنة عظيمة واسعة، وملك كل شخص من أهلها عظيم - كما سيأتي إن شاء الله - سواء من القصور والبساتين والأراضي الشاسعة والأنهار والمساكن والخيام والحور وغير ذلك، ولا يتم نعيم أهلها إلا بمعرفتهم بما أعد لهم على وجه التفصيل إذا دخلوها، فلو قد جهلوا شيئا من النعيم لم يتسنّ لهم أن يتنعموا به، وهذا مشاهد في الدنيا، فلو أدخلت رجلا من البادية عاش في الصحراء على قصر من قصور الدنيا، لوجدته لا يستطيع أن يترفه من القصر إلا بمقدار بسيط فقط، بل ربما أفسد القصر بجهله، ومن كمال نعيم أهل الجنة أنهم إذا دخلوها هدى الله تعالى كل عبد لجميع ما في منزلته من النعيم والأماكن وكل شيء على سعتها، فلا يحتاج إلى دليل ولا معلم ولا مذكر، ولا يغيب عنه شيء من نعيمه ومنزلته، بل هو أدل على كل شيء في منزلته من منزله الذي كان في الدنيا وبذلك يتم النعيم ويكمل.
فإن قيل: كيف يهدى كل عبد إلى منزلته ولما يراها بعد؟ فالجواب: إن الله على كل شيء قدير، ونحن نرى في هذه الحياة الدنيا كيف أن الله تعالى قد أعطى كل شيء خلقه، ثم هدى كل مخلوق لما خلق له وفطره على طبيعة واحدة سواء من الحشرات أو الحيوانات، ونحن نرى الرضيع الذي خرج من بطن أمه لا يعقل ولا يعلم شيئا كيف هداه الله إلى أن يرضع من ثدي أمه بلا مرشد ولا دليل.
قال تعالى {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ} .
وأكثر المفسرين على أن المعنى أنه سبحانه عرفهم منازلهم فيها وهداهم، كأنهم سكانها من حين خلقوا.
روى الطبري بإسناد حسن عن مجاهد في قوله تعالى: وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ) قال: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم لا يخطئون، كأنهم سكانها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحدا.
وروى الطبري عن ابن زيد، في قوله تعالى: {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ} قال: بلغنا عن غير واحد قال: يدخل أهل الجنة الجنة، ولهم أعرف بمنازلهم فيها من منازلهم في الدنيا التي يختلفون إليها في عمر الدنيا، قال: فتلك قول الله جل ثناؤه {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ} .