فإن نعيم الجنة كلها من الدور والقصور والحور والأنهار والبساتين والطعام والشراب وغيرها مما سبق ذكره كلها لا تقوم لنعيم ولذة رؤية وجه الله عز وجل بل إن أهل الجنة ينسون في ذلك جميع النعيم الذي لامسوه في الجنة.
قال ابن القيم في اللهفان:"الوجه الرابع: أن أفضل نعيم الآخرة وأجله وأعلاه على الإطلاق هو النظر إلى وجه الرب عز وجل وسماع خطابه كما في صحيح مسلم عن صهيب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار، قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه) ، وفي حديث آخر: (فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه) ، فبين عليه الصلاة والسلام أنهم مع كمال تنعمهم بما أعطاهم ربهم في الجنة لم يعطهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه، وإنما كان ذلك أحب إليهم لأن ما يحصل لهم به من اللذة والنعيم والفرح والسرور وقرة العين فوق ما يحصل لهم من التمتع بالأكل والشرب والحور العين، ولا نسبة بين اللذتين والنعيمين البتة، ولهذا قال سبحانه وتعالى في حق الكفار: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ} فجمع عليهم نوعي العذاب: عذاب النار وعذاب الحجاب عنه سبحانه، كما جمع لأوليائه نوعي النعيم: نعيم التمتع بما في الجنة ونعيم التمتع برؤيته، وذكر سبحانه هذه الأنواع الأربعة في هذه السورة، فقال في حق الأبرار: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} ، ولقد هضم معنى الآية من قال: ينظرون إلى أعدائهم يعذبون، أو ينظرون إلى قصورهم وبساتينهم، أو ينظر بعضهم إلى بعض، وكل هذا عدول عن المقصود إلى غيره، وإنما المعنى ينظرون إلى وجه ربهم ضد حال الكفار الذين هم عن ربهم لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم، وتأمل كيف قابل سبحانه ما قاله الكفار في أعدائهم في الدنيا وسخروا به منهم بضده في القيامة، فإن الكفار كانوا إذا مر بهم المؤمنون يتغامزون ويضحكون منهم وإذا رأوهم قالوا: {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ} فقال تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} مقابلة لتغامزهم وضحكهم منهم ثم قال: {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} فأطلق النظر ولم يقيده بمنظور دون منظور، وأعلى ما نظروا إليه وأجله وأعظمه هو الله سبحانه، والنظر إليه أجل أنواع النظر وأفضلها وهو أعلى مراتب الهداية، فقابل بذلك قولهم: {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ} فالنظر إلى الرب سبحانه"