ففي حديث أبي هريرة السابق في الصحيحين في أوصاف أهل الجنة: (لا يبصقون فيها ولا يمتخطون) .
وقد جاء في البصاق ثلاث روايات هذه إحداها والثانية: (لا يتفلون) ، والثالثة: (لا يبزقون) وكلها بمعنى واحد.
قال القاري في المرقاة"أي ليس في فمهم وأنفهم من المياه الزائدة والمواد الفاسدة ليحتاجوا إلى إخراجها، ولأن الجنة مساكن طيبة للطيبين، فلا يلائمها الأدناس والأنجاس"انتهى.
من كمال خلقة أهل الجنة أنهم في صحة دائمة لا يمرضون ولا يسقمون مطلقا في صغير الأمراض والآلام وكبيرها، فهم في عافية دائمة وتامة، ولئن كان من أكبر الأمور المنغصة والمكدرة لأهل الدنيا هو السقم والمرض، فإن الجنة دار النعيم خلية من ذلك مطلقا، وهذا من كمال النعيم.
ففي حديث أبي هريرة السابق في الصحيحين في وصف أهل الجنة: (ولا يسقمون) .
وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، فذلك قوله عز وجل: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ) . رواه مسلم.
قال ابن هبيرة في الإفصاح:"وذلك أن الصحة إنما آفتها السقم، والحياة والشباب إنما آفتهما الموت والهرم، والنعيم إنما آفته البؤس، فهي التي كانت تخاف على هذه الأحوال فتنغصها على أهلها إما بحدوثها عليها، وإما بتخويف وقوعها، فلما كانت أول بشراهم في الجنة أن كلَّ ضدٍ كان لنعمة من هذه النعم قد آمنوا وقوعه، كان تناولهم كل لذة على تمام كمالها آمنين من كل مخوف فيها؛ إذ لولا أن يقال ذلك في كل نعمة من هذه النعم لم تصلح أن يكون من نعيم الجنة". انتهى.