و {نَفْسٌ} نكرة في سياق النفي فتعم كل نفس، فلا تعلم نفس أي نفس كانت ولا ملك مقرب أو نبي مرسل ما أعد لأولئك وأخفي لهم، وهذا وعد عظيم، بل ذكر بعض المفسرين بأنه لا مزيد على هذه العدة ولا مطمح وراءها.
وهذا يبين عظمة ذلك النعيم وتلك اللذات التي أخفيت عنهم ولهم وأخفيت عن غيرهم.
وقد ذكر بعض المفسرين أن هذا كقول الناس في تعظيم (هذا لا يعلمه إلا الله) قال الشاعر:
فلم يدر إلا الله ما هيجت لنا ... عشية آناء الديار وشامها
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ذخرا بله ما أطلعتم عليه) ثم قرأ: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون} .
وروى مسلم سهل بن سعد الساعدي يقول: شهدت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجلسا وصف فيه الجنة حتى انتهى ثم قال - صلى الله عليه وسلم - في آخر حديثه: (فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) ثم اقترأ هذه الآية {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ... فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون} .
نعيم الجنة على أقسام:
قسم رأته العيون وسمعت به الآذان وخطر على قلوب البشر، والمقصود برأته العيون أي أن له شبيه في الدنيا وإن كان الفارق كبيرا، والمقصود بسمعته الآذان أي جاءت النصوص بوصفه من نعيم الجنة وإن لم تره العيون في الدنيا، والمقصود بخطر على قلوب البشر أي شيء يطرأ على خيالهم ويدخل أفكارهم وتصوراتهم وإن لم يروه في الدنيا أو يسمعوا به في النصوص الشرعية سواء أكان في نعيم قائم بنفسه لم يأت في النصوص ذكره أو في تفاصيل نعيم رأت شبهه العيون في الدنيا وجاءت بذكره النصوص لكن لم يطلع على تفاصيله، ومثال هذا القسم الفاكهة، ففي الدنيا فاكهة رأتها العيون، وفي الجنة فاكهة سمعت بها الآذان، ولكن تفاصيل هذه الفاكهة لم يأت في النصوص، وقد يخطر على قلوب البشر تخيله.