أحدهما: لأنسهم بما يعرفون.
والثاني: أنه لو وعدهم بما لا يعرفون لم يشتاقوا إلى ما لم يعرفوا، ولطلبوا ما يعرفون، فوعدهم ما يعرفون وزادهم ما لم يعرفوا"انتهى."
ومن الأسباب أيضا في عدم ذكر الله تعالى لذلك النعيم الذي أخفي:
-تعظيم النعيم عن وصفه، فمن عظم هذا النعيم لم يوصف، كما يقال في أي شيء عظيم: لا يوصف، لأن الوصف يقصر عن الحقيقة، ولا يعطي النعيم حقه، والحقيقة أكبر منه.
-المفاجأة، فإن ذلك أفرح للنفوس وأوقع لذة وسرورا من أن يكونوا أطلعوا عليه من قبل.
-ومن الأسباب ما قاله ابن هبيرة في الإفصاح على حديث (أعددت لعبادي الصالحين) السابق:"في هذا الحديث من الفقه أنه لما كانت الدنيا دار ضيق وحرج، وكانت الآخرة دار إكرام الله تعالى لأوليائه، ومستقرًا لمن رضي عنه، أعد لهم الله فيها ما لم تر عين، وما لم تسمع أذن، ولا خطر على قلب بشر، صونًا لعطائه في الآخرة، وعن أن يوصف على جهته، فلا تصدقه النفوس لعظمته؛ لأن هذه الأعين ضيقة، وهذه النفوس نشأت في محل صغير، فإذا حدثت بما يتجاوز مقدار عقولها أو مبلغ إحساسها، مما ليس عندها أصل تقيسه عليه إلا ما تشاهده وتراه وتألفه، عجلت إلى الارتياب فيه، وسارعت إلى الشك في الخبر عنه؛ فلذلك أرى أن الله سبحانه وتعالى قال: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} وعلى أن مما أخبرنا به عن ذلك المقر الذي هذا الحديث يدل على أنه أخفى أضعاف ما أظهر نفاسة وشرفًا."انتهى.
فإذا نظرت إلى ما أنعم الله به على أهل الجنة مما ذكره في كتابه أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - على عظمه، وكفى به نعيما عظيما لأهل الجنة، ثم تأملت أن ما أخفي عنهم أعظم مما أظهر لهم عرفت عظم ذاك النعيم وأنه أعظم من أن يوصف ويذكر للعباد.
وقد روى ابن ابي حاتم بإسناد صحيح إلى سليم بن عامر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (الجنة مائة درجة، درجة من فضة أرضها فضة ومساكنها فضة وآنيتها فضة، وترابها مسك والثانية: من ذهب، أرضها ذهب ومساكنها ذهب، وآنيتها ذهب، وترابها مسك وسبعة وتسعين بعد ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) وهو مرسل.