وقيل: معنى الحديث: أن حرمانه الخمر إنما هو في الوقت الذي يعذب في النار، ويسقى من طينة الخبال، فإذا خرج من النار بالشفاعة، أو بالرحمة العامة المعبَّر عنها في الحديث بالقبضة؛ أدخل الجنة، ولم يُحرم شيئا منها، لا خمرًا، ولا حريرًا، ولا غيره، قال هذا القائل: فإنَّ حرمان شيء من لذات الجنة لمن كان في الجنة نوع عقوبة، ومؤاخذة فيها، والجنة ليست بدار عقوبة، ولا مؤاخذة فيها بوجه من الوجوه. والله تعالى أعلم. وكذلك القول في قوله - صلى الله عليه وسلم: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) و (من شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب بها في الآخرة) يجرى فيهما كل ما ذكرناه."انتهى"
وقال الحافظ في الفتح:"قوله: (من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة) حرمها بضم المهملة وكسر الراء الخفيفة من الحرمان، زاد مسلم عن القعنبي عن مالك في آخره: (لم يسقها) وله من طريق أيوب عن نافع بلفظ: (فمات وهو مدمنها لم يشربها في الآخرة) وزاد مسلم في أول الحديث مرفوعا: (كل مسكر خمر وكل مسكر حرام) وأورد هذه الزيادة مستقلة أيضا من رواية موسى بن عقبة وعبيد الله بن عمر كلاهما عن نافع وسيأتي الكلام عليها في باب الخمر من العسل، ويأتي كلام ابن بطال فيها في آخر هذا الباب."
وقوله: (ثم لم يتب منها) أي من شربها فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، قال الخطابي والبغوي في شرح السنة معنى الحديث: لا يدخل الجنة، لأن الخمر شراب أهل الجنة، فإذا حرم شربها دل على أنه لا يدخل الجنة، وقال ابن عبد البر: هذا وعيد شديد يدل على حرمان دخول الجنة لأن الله تعالى أخبر أن في الجنة أنهار الخمر لذة للشاربين وأنهم لا يصدعون عنها ولا ينزفون، فلو دخلها وقد علم أن فيها خمرا أو أنه حرمها عقوبة له لزم وقوع الهم والحزن في الجنة، ولا هم فيها ولا حزن، وإن لم يعلم بوجودها في الجنة ولا أنه حرمها عقوبة له لم يكن عليه في فقدها ألم، فلهذا قال بعض من تقدم: إنه لا يدخل الجنة أصلا، قال: وهو مذهب غير مرضي، قال: ويحمل الحديث عند أهل السنة على أنه لا يدخلها ولا يشرب الخمر فيها إلا إن عفا الله عنه كما في بقية الكبائر وهو في المشيئة، فعلى هذا فمعنى الحديث جزاؤه في الآخرة أن يحرمها لحرمانه دخول الجنة إلا إن عفا الله عنه، قال: وجائز أن يدخل الجنة بالعفو ثم لا يشرب فيها خمرا ولا تشتهيها نفسه وإن علم بوجودها فيها، ويؤيده حديث أبي سعيد مرفوعا: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو) قلت: أخرجه الطيالسي وصححه ابن حبان، وقريب منه حديث عبد الله بن عمرو رفعه: (من مات من أمتي وهو يشرب الخمر حرم الله عليه شربها في الجنة) . أخرجه أحمد بسند حسن، وقد لخص عياض كلام ابن عبد البر وزاد احتمالا آخر، وهو أن المراد بحرمانه شربها أنه يحبس عن الجنة