فهرس الكتاب

الصفحة 507 من 569

فإن قيل: قد جاءت الأخبار في أن من شرب الخمر في الدنيا حرمها في الآخرة وكذلك من شرب في آنية الذهب والفضة حرمها في الآخرة وكذلك من لبس الحرير في الدنيا حرمه في الآخرة ومن لبس الذهب في الدنيا حرمه في الآخرة.

ففي الصحيحين عن ابن الزبير قال سمعت عمر - رضي الله عنه - يقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) .

وروى أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (من لبس الذهب من أمتي، فمات وهو يلبسه، حرم الله عليه ذهب الجنة، ومن لبس الحرير من أمتي فمات وهو يلبسه، حرم الله عليه حرير الجنة) .

وروى النسائي في الكبرى عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (من لبس الحرير في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا، لم يشربها في الآخرة، ومن شرب في آنية الذهب والفضة في الدنيا، لم يشرب بها في الآخرة، ثم قال: لباس أهل الجنة، وشراب أهل الجنة، وآنية أهل الجنة) . وهو صحيح بشواهده.

وعلى هذا فيحرم هذا العبد شيئا من نعيم الجنة وهذا يعارض ما سبق أن لهم ما اشتهت أنفسهم وما أرادوا؟

والجواب:

قال القرطبي في المفهم:"وقوله: (من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة) أو: (حرمها في الآخرة) ظاهره تأبيد التحريم، وإن دخل الجنة فشرب جميع أشربة الجنة من ماء وعسل ولبن، ولا يشرب الخمر، ومع ذلك: فلا يتألم لعدم شُرْبها، ولا يتنقص من فقدها، ولا يحسد من يشربها، فإنَّ الجنة محل مطهَّر منزه عن ذلك كلّه، وإنَّما يكون حال هذا مع فقد شُرب الخمر كحاله مع المنازل التي رفع بها غيره عليه مع علمه برفعتها، وبأن صاحبها أعلى منه درجة، وأفضل منه عند الله تعالى. ومع ذلك فلا يحسده، ولا يتألم بفقد شيء من ذلك استغناء بالذي أُعطي، وغبطة به، ولأن الله تعالى قد طهرهم من كل نقص وصفة مذمومة. ألا ترى قوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} . وقال بهذا المعنى جماعة من العلماء، وقيل: يُنسى خمر الجنة، وقيل: لا يشتهيها، وكل ذلك محتمل، والأولى: الوجه الأول، والله تعالى أعلم."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت