فهرس الكتاب

الصفحة 509 من 569

مدة إذا أراد الله عقوبته، ومثله الحديث الآخر (لم يرح رائحة الجنة) قال: ومن قال لا يشربها في الجنة بأن ينساها أو لا يشتهيها، يقول: ليس عليه في ذلك حسرة ولا يكون ترك شهوته إياها عقوبة في حقه، بل هو نقص نعيم بالنسبة إلى من هو أتم نعيما منه، كما تختلف درجاتهم ولا يلحق من هو أنقص درجة حينئذ بمن هو أعلى درجة منه استغناء بما أعطي واغتباطا له، وقال ابن العربي: ظاهر الحديثين أنه لا يشرب الخمر في الجنة ولا يلبس الحرير فيها، وذلك لأنه استعجل ما أمر بتأخيره ووعد به فحرمه عند ميقاته، كالوارث فإنه إذا قتل مورثه فإنه يحرم ميراثه لاستعجاله، وبهذا قال نفر من الصحابة ومن العلماء، وهو موضع احتمال وموقف إشكال، والله أعلم كيف يكون الحال.

وفصل بعض المتأخرين بين من يشربها مستحلا فهو الذي لا يشربها أصلا، لأنه لا يدخل الجنة أصلا، وعدم الدخول يستلزم حرمانها، وبين من يشربها عالما بتحريمها، فهو محل الخلاف، وهو الذي يحرم شربها مدة ولو في حال تعذيبه إن عذب، أو المعنى أن ذلك جزاؤه إن جوزي والله أعلم."انتهى"

قال بن القيم في الحادي:"وههنا مسألة وهذا موضع ذكرها، وهي أن الله سبحانه وتعالى أخبر أن لباس أهل الجنة حرير، وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) . متفق على صحته من حديث عمر بن الخطاب وأنس بن مالك، وقد اختلف في المراد بهذا الحديث، فقالت طائفة من السلف والخلف: أنه لا يلبس الحرير في الجنة ويلبس غيره من الملابس، قالوا: وأما قوله تعالى: (ولباسهم فيها حرير) فمن العام المخصوص، وقال الجمهور وهذا من الوعيد الذي له حكم أمثاله من نصوص الوعيد التي تدل على أن الفعل مقتض لهذا الحكم، وقد يتخلف عنه لمانع، وقد دل النص والإجماع على أن التوبة مانعة من لحوق الوعيد، ويمنع من لحوقه أيضا الحسنات الماحية والمصائب المكفرة ودعاء المسلمين وشفاعة من يأذن الله له في الشفاعة فيه وشفاعة أرحم الراحمين إلى نفسه، فهذا الحديث نظير الحديث الآخر: (من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة) ."انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت