وفي بعضها إثبات الميزابان الخارجان من الكوثر كما روى مسلم عن ثوبان - رضي الله عنه - قال: سئل عن شرابه، فقال: (أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة: أحدهما من ذهب والآخر من ورق) .
وروى مسلم عن أبى ذر - رضي الله عنه - قال قلت: يا رسول الله ما آنية الحوض؟ قال: (والذى نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها ألا في الليلة المظلمة المصحية آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه، يشخب فيه ميزابان من الجنة من شرب منه لم يظمأ عرضه مثل طوله ما بين عمان إلى أيلة، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل) .
وقد جاء التصريح بأن الكوثر يصب إلى الحوض، فروى أحمد من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - مرفوعا وفيه: (قال ويفتح نهر من الكوثر إلى الحوض) ولكنه لا يثبت [1] .
وكذا روى الطبراني في مسند الشاميين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- وفيه: (قال له الأنصاري يا رسول الله فما الحوض الذي قال حوضك، قال: هو خليج من الكوثر، قال: يا رسول الله وما الكوثر؟ قال: نهر من أنهار الجنة أعطانيه الله، عرضه ما بين أيلة وعدن) . وفيه الوليد بن الوليد منكر الحديث.
قال الحافظ في الفتح:"وقال أبو عبد الله القرطبي في التذكرة: ذهب صاحب القوت وغيره إلى أن الحوض يكون بعد الصراط، وذهب آخرون إلى العكس، والصحيح أن للنبي - صلى الله عليه وسلم - حوضين، أحدهما: في الموقف قبل الصراط، والأخر: داخل الجنة، وكل منهما يسمى كوثرا، قلت: وفيه نظر، لأن الكوثر نهر داخل الجنة كما تقدم، ويأتي وماؤه يصب في الحوض، ويطلق على الحوض كوثر لكونه يمد منه، فغاية ما يؤخذ من كلام القرطبي أن الحوض يكون قبل الصراط، فإن الناس يردون الموقف عطاشى فيرد المؤمنون الحوض، وتتساقط الكفار في النار بعد أن يقولوا ربنا عطشنا، فترفع لهم جهنم كأنها سراب، فيقال: ألا تردون فيظنونها ماء فيتساقطون فيها، وقد أخرج مسلم من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - أن الحوض يشخب فيه ميزابان من الجنة، وله شاهد من حديث ثوبان وهو حجة على القرطبي لا له، لأنه قد تقدم أن الصراط جسر جهنم، وأنه بين الموقف والجنة، وأن المؤمنين يمرون عليه لدخول الجنة، فلو كان الحوض دونه لحالت النار بينه وبين الماء الذي يصب"
(1) فيه عثمان بن عمير ضعيف.