ذكرنا - فيما تقدم - رأى جمهور العلماء سلفا وخلفا في معنى النسخ في الآية الكريمة، وحكمته. وخلاصته أنه: إزالة حكم شرعي سابق، بخطاب ورد متأخرا عنه، وأن كلا من المنسوخ والناسخ لمصلحة العباد في حينه.
ومن العلماء طائفة لا يقولون بنسخ الأَحكام، فرارا من البداء المستحيل على الله، فإِن تغيير الأحكام في الشريعة الواحدة، شأن من لا يعلم المصلحة كما ينبغي العلم، حينما شرع. فلما علمها، عدل عما شرعه أَولا، وذلك لا يليق بالله - تعالى - العليم الحكيم.
ويقولون: إن الآية الكريمة، ليست دليلًا على ما يقوله الجمهور في معناها، بل إن السياق يدل على خلافه، فإِن الآية قبلها تدل على أَن أَهل الكتاب يكرهون نزول الخير:
أي الوحي من الله على المسلمين. وإنما كرهوا ذلك لأنهم كانوا يريدون بقاءَ النبوة في
بني إسرائيل، وأَن تظل التوراة شريعة الناس: لا تنسخ، فهم يحسدون الناس على ما آتاهم
الله من فضله.
فأخبرهم الله - تعالى - بأنه يختص برحمته - أَي نبونه وشريعته - من يشاء، لأن أمرها ليس لهم، بل لله وحده {وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} . فلا يحق لهم أَن يحتكروا فضله عليهم. َ
وعقَّب. ذلك، بما يدل على أن نسخ شريعتهم بالشريعة الإسلامية ليس بدعًا، بالنسبة إلى شأنه وإلى مع سائر الشرائع، فقال: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} أَي: ما نغير من شريعة من الشرائع العلومة للناس: كالتوراة والإِنجيل والزبور، أو نجعلها منسية دارسة لا علم للناس بها - كالشرائع المجهولة لنا، النازلة على بعض من قصهم الله علينا من الأَنبياء ومن لم يقصصهم علينا، نأْت بشريعَة هَة خير منها أَو مثلها، حسبما ينبغي لحال الأْمة التي شرعت لها.
وقد اقتضت الحكمة نسخ شريعتكم أيها اليهود، بشريعة الإِسلام، التي هي خير للأُمة التي كلفت بها، من شريعتكم , فلماذا تكرهون نزول الوحي على سواكم ناسخا لشريعتكم، وتلك سنة الله في جميع الشرائع؟
ويؤول أصحاب هذا الرأي الآيات التي ظاهرها التعارض والنسخ، بحيث يبعدونها عن دائرة النسخ بمعنى تغيير الحكم.