وهذا الحكم غير مختص بالآية الواحدة كاملة. بل هو جارٍ فيما فوقها وما دونها.
وتخصيصها بالذكر، باعتبار الغالب.
ثم ختم الله الآية بهذا التقرير:
{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} :
الخطاب فيه لكل من لدبه علم وعقل. الاستفهام للتقرير.
والمراد بهذا التقرير: الاستشهاد بعلم المخاطب، بأنه تعالى؛ {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} :
على قدرته على النسخ؛ والإتيان بما هو خير من المنسوخ أو مثله، أي أنك تعلم أَن الله على كل شئ قدير، فتدرك - بمقتضي علمك هذا قدرته تعالى على نسخ الآيات، والإتيان بخير منها، أو مثلها لمصلحة عباده.
وتعريف النسخ شرعا: إزالة حكم شرعي سبق، بخطاب ورد متأخرا، كما قال القاضيان: عبد الوهاب وأبو بكر. وزاد الأَخير: لولاه لكان السابق ثابتا.
ومن أراد معرفة الفرق بينه وبين التقييد والتخصيص، وأحوال النسخ وأمثلته، وهل يجوز نسخ القرآن بالسنة أولًا؟ فعليه أَن يرجع إِلى المطولات: ق التفسير وكتب الأصول. ونسخ الأحكام للمصلحة، موجود في جميع الديانات.
ففي صحيح مسلم:"لم تكن نبُوَّة قط إلا تناسخت"أي تحولت من حال إلى حال بالنسبة إلى المكلفين - ذكره القرطبي في المسأَلة الثالثة من مباحث الآية.
وأنكرته طوائف من اليهود، زاعمين أَن ذلك من البداء، وهو مستحيل على الله، وقد كذبوا؛ فإن النسخ: النقل من حكم إلى حكم، لضرب من المصلحة.
ولا خلاف بين العقلاء، في أن شرائع الرسل قصد بها مصالح الخلق: الدنيوية والأخووية.
وأَما البداء، فهو: ترك ما عزم عليه أولا والعدول عنه، كقولك لشخص: امض إِلى فلان، ثم يبدو لك نقض الرأي الأول فتقول: لا تمض. أو تقول: له: إزرع كذا. ثم يبدو لك خلافه فتقول له: لا تزرعه، بل ازرع كذا لشيء آخر، على سببل التناقض والتقلب في الرأي
وهذا محال على الله - تعالى - لكمال علمه وحكمته، جائز الخلق لنقصانهم.
فكل حكم له تعالى صالح، وله حكمة في وقته: منسوخًا كان أو ناسخًا، وليس في أَحكامه تعالى بداء.
رأى آخر في النسخ