وهذه القولة كتلك ، لا تستند إلى دليل ، سوى الادعاء العريض! ومن ثم يلقن الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يجبههم بالتحدي وأن يطالبهم بالدليل:
{قل: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} ..
وهنا يقرر قاعدة من قواعد التصور الإسلامي فِي ترتيب الجزاء على العمل بلا محاباة لأمة ولا لطائفة ولا لفرد. إنما هو الإسلام والإحسان ، لا الاسم والعنوان:
{بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن ، فله أجره عند ربه ، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ..
ومن قبل قرر هذه القاعدة فِي العقاب ردا على قولهم: {لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة} .. فقال: {بلى! من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ..
إنها قاعدة واحدة بطرفيها فِي العقوبة والمثوبة. طرفيها المتقابلين: {من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته} .. فهو حبيس هذه الخطيئة المحيطة ، فِي معزل عن كل شيء وعن كل شعور وعن كل وجهة إلا وجهة الخطيئة.. و {من أسلم وجهه لله وهو محسن} .. فأخلص ذاته كلها لله ، ووجه مشاعره كلها إليه ، وخلص لله فِي مقابل خلوص الآخر للخطيئة.. {من أسلم وجهه لله} .. هنا تبرز سمة الإسلام الأولى: إسلام الوجه - والوجه رمز على الكل - ولفظ أسلم يعني الاستسلام والتسليم. الاستسلام المعنوي والتسليم العملي. ومع هذا فلا بد من الدليل الظاهر على هذا الاستسلام: {وهو محسن} .. فسمة الإسلام هي الوحدة بين الشعور والسلوك ، بين العقيدة والعمل ، بين الإيمان القلبي والإحسان العملي.. بذلك تستحيل العقيدة منهجا للحياة كلها ؛ وبذلك تتوحد الشخصية الإنسانية بكل نشاطها واتجاهاتها ؛ وبذلك يستحق المؤمن هذا العطاء كله:
{فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ..
الأجر المضمون لا يضيع عند ربهم.. والأمن الموفور لا يساوره خوف ، والسرور الفائض لا يمسه حزن.. وتلك هي القاعدة العامة التي يستوي عندها الناس جميعاً. فلا محسوبية عند الله سبحانه ولا محاباة!