وهكذا.. يوقظ السياق القرآني وعي الجماعة المسلمة ويركزه على مصدر الخطر ، ومكمن الدسيسة ؛ ويعبئ مشاعر المسليمن تجاه النوايا السيئة والكيد اللئيم والحسد الذميم.. ثم يأخذهم بهذه الطاقة المعبأة المشحونة كلها إلى جناب الله ؛ ينتظرون أمره ، ويعلقون تصرفهم بإذنه.. وإلى أن يحين هذا الأمر يدعوهم إلى العفو والسماحة ، لينقذ قلوبهم من نتن الحقد والضغينة. ويدعها طيبة فِي انتظار الأمر من صاحب الأمر والمشيئة..
ثم يمضي فِي تفنيد دعاوى أهل الكتاب عامة: اليهود والنصارى ، وقولهم: إنهم هم المهتدون وحدهم! وإن الجنة وقف عليهم لا يدخلها سواهم! على حين يجبه كل فريق منهم الآخر بأنهم ليسوا على شيء ! ويقرر فِي ثنايا عرض هذه الدعاوى العريضة حقيقة الأمر ، ويقول كلمة الفصل فِي العمل والجزاء:
{وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى. تلك أمانيهم. قل: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. بلى! من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وقالت اليهود: ليست النصارى على شيء ، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء - وهم يتلون الكتاب - كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم. فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} ..
والذين كانوا يواجهون المسلمين فِي المدينة كانوا هم اليهود ؛ إذ لم تكن هناك كتلة من النصارى تقف مواقف اليهود. ولكن النص هنا عام يواجه مقولات هؤلاء وهؤلاء. ثم يجبه هؤلاء بهؤلاء! ويحكي رأي المشركين فِي الطائفتين جميعاً!
{وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} ..
وهذه حكاية قوليهم مزدوجة. وإلا فقد كانت اليهود تقول: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً - أي من يهود - وكانت النصارى تقول: لن يدخل الجنة إلا من كان من النصارى..