فهو استنكار لتشبه بعض المؤمنين بقوم موسى فِي تعنتهم وطلبهم للبراهين والخوارق وإعناتهم لرسولهم كلما أمرهم بأمر أو أبلغهم بتكليف ، على نحو ما حكى السياق عنهم فِي مواضع كثيرة..
وهو تحذير لهم من نهاية هذا الطريق ، وهي الضلال ، واستبدال الكفر بالإيمان ، وهي النهاية التي صار إليها بنو إسرائيل. كما أنها هي النهاية التي يتمنى اليهود لو قادوا إليها المسلمين!
{ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً ، حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق} ..
وذلك ما يفعله الحقد اللئيم بالنفوس.. الرغبة فِي سلب الخير الذي يهتدي إليه الآخرون.. لماذا؟ لا لأن هذه النفوس الشريرة لا تعلم. ولكنها لأنها تعلم!
{حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق} ..
والحسد هو ذلك الانفعال الأسود الخسيس الذي فاضت به نفوس اليهود تجاه الإسلام والمسلمين ، وما زالت تفيض ، وهو الذي انبعثت منه دسائسهم وتدبيراتهم كلها وما تزال. وهو الذي يكشفه القرآن للمسلمين ليعرفوه ، ويعرفوا أنه السبب الكامن وراء كل جهود اليهود لزعزعة العقيدة فِي نفوسهم ؛ وردهم بعد ذلك إلى الكفر الذي كانوا فيه ، والذي أنقذهم الله منه بالإيمان ، وخصهم بهذا بأعظم الفضل وأجل النعمة التي تحسدهم عليها يهود!
وهنا - فِي اللحظة التي تتجلى فيها هذه الحقيقة ، وتنكشف فيها النية السيئة والحسد اللئيم - هنا يدعو القرآن المؤمنين إلى الارتفاع عن مقابلة الحقد بالحقد ، والشر بالشر ، ويدعوهم إلى الصفح والعفو حتى يأتي الله بأمره ، وقتما يريد:
{فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره. إن الله على كل شيء قدير} ..
وامضوا فِي طريقكم التي اختارها الله لكم ، واعبدوا ربكم وادخروا عنده حسناتكم:
{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله. إن الله بما تعملون بصير} ..