وسواء كانت المناسبة هي مناسبة تحويل القبلة - كما يدل سياق هذه الآيات وما بعدها - أم كانت مناسبة أخرى من تعديل بعض الأوامر والتشريعات والتكاليف ، التي كانت تتابع نمو الجماعة المسلمة ، وأحوالها المتطورة. أم كانت خاصة بتعديل بعض الأحكام التي وردت فِي التوراة مع تصديق القرآن فِي عمومه للتوراة.. سواء كانت هذه أم هذه أم هذه ، أم هي جميعاً المناسبة التي اتخذها اليهود ذريعة للتشكيك فِي صلب العقيدة.. فإن القرآن يبين هنا بياناً حاسماً فِي شأن النسخ والتعديل ؛ وفي القضاء على تلك الشبهات التي أثارتها يهود ، على عادتها وخطتها فِي محاربة هذه العقيدة بشتى الأساليب.
فالتعديل الجزئي وفق مقتضيات الأحوال - فِي فترة الرسالة - هو لصالح البشرية ، ولتحقيق خير أكبر تقتضيه أطوار حياتها. والله خالق الناس ، ومرسل الرسل ، ومنزل الآيات ، هو الذي يقدر هذا. فإذا نسخ آية القاها فِي عالم النسيان - سواء كانت آية مقروءة تشتمل حكماً من الأحكام ، أو آية بمعنى علامة وخارقة تجيء لمناسبة حاضرة وتطوى كالمعجزات المادية التي جاء بها الرسل - فإنه يأتي بخير منها أو مثلها! ولا يعجزه شيء ، وهو مالك كل شيء ، وصاحب الأمر كله فِي السماوات وفي الأرض.. ومن ثم تجيء هذه التعقيبات:
{ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير؟ ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض؟ وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} ..
والخطاب هنا للمؤمنين يحمل رائحة التحذير ، ورائحة التذكير بأن الله هو وليهم وناصرهم وليس لهم من دونه ولي ولا نصير.. ولعل هذا كان بسبب انخداع بعضهم بحملة اليهود التضليلية ؛ وبلبلة أفكارهم بحججهم الخادعة ؛ وإقدامهم على توجيه أسئلة للرسول - صلى الله عليه وسلم - لا تتفق مع الثقة واليقين. يدل على هذا ما جاء فِي الآية التالية من صريح التحذير والاستنكار:
{أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل؟ ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل} ..