ولقد تعددت الأقوال المروية في المقصودين في جملة: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ حيث روى الطبري عن عطاء أنهم الأمم السابقة لليهود والنصارى والتوراة والإنجيل. وعن السدي أنهم مشركو العرب الذين كانوا يقولون إن محمدا ليس على شيء، وهذه الأقوال لم ترد في الصحاح وإن كانت مما تتحمله الجملة ونحن نرجح القول الثاني لأن روح الجملة قد تلهم أنها في صدد واقع حاضر.
وهذا لا ينقض بطبيعة الحال ما قلناه في الشرح من أن المراد بالجملة تقوية التنديد باليهود والنصارى بتشبيههم بالجاهلين الذين يلقون الكلام جزافا بدون علم.
[سورة البقرة (2) : الآيات 114 إلى 115]
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ(114) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (115)
. (1) سعى في خرابها: سعى في تعطيل الشعائر الدينية فيها.
الآية الأولى تضمنت تنديدا شديدا بمن يمنع الناس من ذكر الله في مساجده ويسعى في تعطيل إقامة شعائر الله فيها، مع أن أمثال هؤلاء ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين. وإنذارا لهم بما يستحقون من الخزي والهوان في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة.
والآية الثانية تضمنت تقرير كون المشرق والمغرب لله، وأن عابد الله والمتجه إليه يجده أينما ولّى وجهه، فالله سبحانه غير محصور في جهة دون أخرى وهو واسع الملك والحكم عليم بحقائق الأمور ومقتضياتها.
ومن المؤولين من أوّل جملة وَجْهُ اللَّهِ برضائه وتوجيهه ومنهم من أوّلها بذاته ومنهم من أوّلها بوجوده وكل من هذه التأويلات وارد ومن الواجب الوقوف عند ذلك دون تزيد على ما نبهنا عليه في مناسبة الآية [89] من سورة القصص التي ورد فيها كلمة وَجْهُ بمعنى وجه الله تعالى.