فاغتنم بتسيير القرآن على اللسان وكشف بيانه على الجنان، وعندي أن من يقدر على اقتطاف ثمرة من ثمراته يستنكف التلذذ بثمرات الجنان، تيقظ فتفكر {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} [المزمل: 5] ؛ يعني: ثقيلاً في العمل والوزن والقدر؛ أي: عمله ثقيل على الأبدان، وثوابه في الميزان، وقدره عظيم عند الرحمن، والموارد ثقل إذا يرد على السالك في البداية كأن السماء وقعت عليه، ولا يحسب أن ثقل الوارد يوازي ثقل الوحي ولا عشر عشيره، روت عائشة رضي الله عنها"رأيته ينزل عليه في اليوم الشاتي الشديد البرد فينفصم عنه وأن جبينه يتفصد عرقاً"وهو صلى الله عليه وسلم في القوة بمرتبة، قيل في حقه أن الله أعطاه أربعين ضعف قوة أعطاها الله لموسى بن عمران وهو أقوى الأنبياء.
{إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً} [المزمل: 6] ؛ يعني: الثلث الأخير هي أجدر للقانتين أن يتوجهوا إلى الله فيه؛ لأن في تلك الساعة أخذت النفس حظها من النوم، ولها نشاط في الطاعة، والوقت وقت نزول الرب إلى السماء الدنيا، وأصوب للتقرب إلى الرب، وأصح للقراءة دائم، وأتم إخلاصاً في القيام، وأكثر بركة في تلك الساعة المباركة التي يمتد سلطنة الجلال إلى آخرها، وقرب طلوع صبح الجمال والدعاء والتضرع والابتهال، وأرجى للاستجابة؛ لأنه يقول:
"هل من داع فأجيبه، هل من سائل فأعطيه".