ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8)
قوله: {جِهَاراً} : يجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً من المعنى ؛ لأنَّ الدعاءَ يكونُ جهاراً وغيرَه ، فهو من باب: قَعَدَ القُرْفُصاءَ ، وأَنْ يكونَ المرادُ ب"دَعَوْتُهم": جاهَرْتُهم ، وأَنْ يكونَ نعتَ مصدرٍ محذوفٍ أي: دعاءً جِهاراً ، وأَنْ يكونَ مصدراً في موضعِ الحالِ أي: مُجاهِراً ، أو ذا جِهارٍ ، أو جُعِل نفسَ المصدرِ مبالغةً . قال الزمخشريُّ:"فإنْ قلتَ: ذَكَرَ أنَّه دعاهم ليلاً ونهاراً ، ثم دعاهم جِهاراً ، ثم دعاهم في السِّرِّ والعَلَنِ فيجب أَنْ تكونَ ثلاثَ دَعَوات مختلفات حتى يَصِحَّ العطفُ"قلت: قد فَعَلَ عليه السلام كما يَفْعَلُ الذي يَأْمُرُ بالمعروفِ ويَنْهى عن المنكر في الابتداءِ بالأَهْوَنِ ، والترقِّي في الأشَدِّ فالأشُدِّ ، فافتتح في المناصحةِ بالسِّرِّ ، فلمَّا لم يَقْبلوا ثَنَّى بالمجاهرة ، فلمَّا لم يَقْبلوا ثَلَّثَ بالجَمْعِ بين الإسرار والإِعلان . ومعنى"ثم"الدلالةُ على تباعُدِ الأحوالِ ، لأنَ الجِهارَ أغلظُ من الإِسرارِ ، والجمعُ بين الأمرَيْن أغلظُ مِنْ إفرادِ أحدِهما". قال الشيخ:"وتكرَّرَ كثيراً له أنَّ"ثُمَّ"للاستبعادِ ولا نَعْلَمُه لغيرِه". قلت: هذا القول بعدما سَمِعْتَ من ألفاظِ الزمخشريِّ تحامُلٌ عليه ."
يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11)
قوله: {مِّدْرَاراً} : يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من"السماء"، ولم يؤنَّثْ لأنَّ مِفْعالاً لا يُؤَنَّثُ . تقول: امرأةٌ مئِنْاثٌ ومِذْكار ، ولا يُؤَنَّثُ بالتاءِ إلاَّ نادراً ، وحينئذٍ يَستوي فيه المذكرُ والمؤنثُ فتقول: رجلٌ مِجْذامَةٌ ومِطْرابَةٌ ، وامرأة مِجْذامَةٌ ومِطْرابَةٌ ، وأَنْ تكونَ نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ أي: إرسالاً مِدْراراً . وتقدَّم الكلامُ عليه في الأنعام .
مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13)