(إن الإنسان) أي الجنس عبر به لما له من الإنس لنفسه والرؤية لمحاسنها والنسيان لربه ولدينه (خلق هلوعاً) قال في الصحاح الهلع في اللغة أشد الحرص وأسوأ الجزع وأفحشه، يقال هلوع بالكسر فهو هلع وهلوع، وقال عكرمة: هو الضجور، وقال ابن عباس: هو الشره، وقال الواحدي: والمفسرون يقولون تفسير الهلع ما بعده يعني قوله:
(إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) وبه قال ابن عباس أي إذا أصابه الفقر والحاجة أو المرض أو نحو ذلك فهو كثير الجزع، وإذا أصابه الخير من الغنى والخصب والسعة ونحو ذلك فهو كثير المنع والإمساك، وسأل محمد بن عبد الله بن طاهر ثعلباً عن الهلع فقال قد فسره الله، ولا يكون تفسير أبين من تفسيره وهو الذي إذا أصابه شر أظهر شدة الجزع وإذا مسه الخير بخل به ومنعه الناس.
والعرب تقول ناقة هلوع وهلواع إذا كانت سريعة السير خفيفته، وقال أبو عبيدة الهلوع هو الذي إذا مسه الخير لم يشكر، وإذا مسه الشر لم يصبر،
وانتصاب هلوعاً وجزوعاً ومنوعاً على أنها أحوال مقدرة لأنه ليس متصفاً بالصفات المذكورة وقت خلقه ولا وقت ولادته، أو محققة لكونها طبائع جبل الإنسان عليها والظرفان معمولان لجزوعاً ومنوعاً.
وقوله:
(إلا المصلين) من قبيل استثناء الجمع من الواحد، لأن الإنسان واحد وفيه معنى الجمع أي المؤمنين المقيمين للصلاة لأن الصلاة الشرعية تستلزم الإيمان يعني أنهم ليسوا على تلك الصفات من الهلع والجزع والمنع، وإنهم على صفات محمودة وخلال مرضية لأن إيمانهم وما تمسكوا به من التوحيد ودين الحق يزجرهم عن الاتصاف بتلك الصفات، ويحملهم على الاتصاف بصفات الخير.
ثم بينهم سبحانه فقال:
(الذين هم على صلاتهم دائمون) أي مواظبون أي لا يشغلهم عنها شاغل ولا يصرفهم عنها صارف، ولا يتركونها أداء ولا قضاء أي يفعلونها ولو قضاء وليس المراد بالدوام أنهم يصلون أبداً.