وقد تقدم أن من مذهبه الحصر في تقديم المعمول ، وأما ثم فيمكن بقاؤها على موضوعها من المهلة الزمانية ، وأنه أولاً يؤخذ فيغل.
ولما لم يعذب بالعجلة ، صارت له استراحة ، ثم جاء تصلية الجحيم ، فكان ذلك أبلغ في عذابه ، إذ جاءه ذلك وقد سكنت نفسه قليلاً ، ثم جاء سلكه بعد ذلك بعد كونه مغلولاً معذباً في النار ، لكنه كان له انتقال من مكان إلى مكان ، فيجد بذلك بعض تنفس.
فلما سلك في السلسلة كان ذلك أشد ما عليه من العذاب ، حيث صار لا حراك له ولا انتقال ، وأنه يضيق عليه غاية ، فهذا يصح فيه أن تكون ثم على موضوعها من المهلة الزمانية.
{إنه كان لا يؤمن} : بدأ بأقوى أسباب تعذيبه وهو كفره بالله ، وإنه تعليل مستأنف ، كأن قائلاً قال: لم يعذب هذا العذاب البليغ.
وقيل: {إنه كان لا يؤمن} ، وعطف {ولا يحض} على {لا يؤمن} داخل في العلة ، وذلك يدل على عظم ذنب من لا يحض على إطعام المسكين ، إذ جعل قرين الكفر ، وهذا حكم ترك الحض ، فكيف يكون ترك الإطعام؟ والتقدير على إطعام طعام المسكين.
وأضاف الطعام إلى المسكين من حيث لم ينسبه إليه ، إذ يستحق المسكين حقاً في مال الغني الموسر ولو بأدنى يسار ؛ وللعرب في مكارمهم وإيثارهم آثار عجيبة غريبة بحيث لا توجد في غيرهم ، وما أحسن ما قيل فيهم:
على مكثريهم رزق من يعتريهم ...
وعند المقلين السماحة والبذل
وكان أبو الدرداء يحض امرأته على تكثير الرزق لأجل المساكين ويقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان ، أفلا نخلع نصفها الآخر؟ وقيل: هو منع الكفار.
وقولهم: {أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} يعني أنه إذا نفي الحض انتفى الإطعام بجهة الأولى ، كما صرح به في قوله تعالى: {لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين} {فليس له اليوم هاهنا حميم} : أي صديق ملاطف وادّ ، {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو} وقيل: قريب يدفع عنه.
{ولا طعام إلا من غسلين} ، قال ابن عباس: هو صديد أهل النار.