وفي رواية الحاكم في المستدرك: (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يمشي أحدكم إلى اليم فأدخل إصبعه فيه فما خرج منه فهي الدنيا) .
وفي رواية الطبراني في الكبير: (والله ما الدنيا من أولها إلى آخرها في الآخرة .... ) .
قال السندي في حاشية ابن ماجه:"قوله: (في الآخرة) أي: في جنبها وبالنظر إليها، وأن هذا المثل مثل للدنيا في الآخرة، بمعنى أن الناس يضربونه مثلا لها هناك وهو فوقه مثلا؛ لأن هناك معرفته، والحاصل أن الدنيا في القلة بالنظر إلى الآخرة كالذي على الإصبع بالنظر إلى البحر وهذا الحديث شرحٌ وتفسيرٌ لقوله تعالى: {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ} ، واليم البحر ذكره السيوطي."انتهى.
قال الحافظ في الفتح:"ووجهه أن القدر الذي يتعلق بالإصبع من ماء البحر لا قدر له ولا خطر، وكذلك الدنيا بالنسبة إلى الآخرة، والحاصل أن الدنيا كالماء الذي يعلق في الأصبع من البحر والآخرة كسائر البحر"انتهى.
فأفاد الحديث بقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نسبة الدنيا إلى الآخرة كنسبة ما يعلق من الماء على الإصبع عند غمسه في البحر، وذلك يقارب قطرة من الماء بالنسبة لبحر عظيم خضم، وذلك يشبه العدم.
فلك أن تتخيل وتستحضر الدنيا من أولها إلى آخرها بجميع قرونها المتطاولة وعهودها وحضارتها المختلفة ونعيمها ولذاتها ودورها وقصورها وأرضها وملكها وبساتينها وأشجارها ونسائها وولدانها وخدمها وحشمها وذهبها وفضتها ومجوهراتها وأموالها وبحارها وأنهارها ومناظرها الخلابة وجميع ما فيها لا يساوي بالنسبة لما في الجنة إلا كالقطرة بالنسبة للبحر فكيف تكون الجنة إذًا؟!!
وقد سبق بيان أن قدر الدنيا يساوي أقل من سوط أو قوس في الجنة وذلك أقل القليل في الجنة.
وأما تفسير السلف لهذا القليل فقد صح عن عمر بن الخطاب أنه قال: (والله ما الدنيا في الآخرة إلا كنفجة أرنب) رواه ابن المبارك وابن أبي شيبة والبيهقي في الشعب.
نفجت الأرنب إذا ثارت، أي وثبتها من مكانها ومجثمها، وتلك الوثبة لا تتجاوز الثانية أو الثانيتين في أقصى حد، فضرب مثلا لتقليل زمن الدنيا وسرعة مروره وانقضائه بالنسبة لدوام الآخرة وخلودها بتلك الوثبة السريعة الانقضاء.