وقوله: (أسك) أي صغير الأذن أو مقطوعها أو عديمها كما قال القاري في المرقاة.
وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بدمنة قوم فيها سخلة ميتة قال: (ما لأهلها فيها حاجة؟) قالوا: يا نبي الله لو كان لأهلها فيها حاجة ما نبذوها، قال: (فوالله للدنيا أهون على الله من هذه السخلة على أهلها، فلا ألفينها أهلكت أحدا منكم) . رواه البزار بإسناد صحيح.
وللحديث طرق أخرى عن الصحابة عن المستورد وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن ربيعة رضي الله عنهم.
فها أنت ترى يا أخي كيف أن هذه الجدي الأسك المعيب الميت كيف هوانه على الناس، بحيث لو عرض عليهم بدرهم لما اشتروه، ولو عرض عليهم بلا شيء لما أخذوه، بل ربما لو كان عند أحدهم لدفع المال من أجل التخلص منه، فهوان الدنيا على الله أهون من هذا الجدي على الناس، وذلك في غاية ما يكون من الهوان والحقارة، فليس للدنيا أدنى شأن عند الله.
ومن هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى الله تعالى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها.
ومن هوانها على الله أن أعداءه الكفار متنعمون فيها، وينالون من زهرتها وخيراتها بدون أن يمنعوا كما سبق.
ومن هوانها على الله أن يبتلى فيها عباده وأولياءه وأصفياءه، وتنالهم الشدائد والمحن.
وذلك كله على العكس من الآخرة التي هي معظمة عنده، وعليه فلا يعصى الله فيها ولا يتنعم فيها أعداؤه ولا يبتلى فيها أولياؤه.
رابعا: أن الله تعالى ذمها في كتابه، ونهى عباده أن يغتروا بها، وأن يتعلقوا بها، وأوعد على ذلك، ومدح الآخرة وحرض عليها ودعا عباده لطلبها وإرادتها:
وكفى بذلك تحقيرا للدنيا ونعيمها ولذاتها، قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ} .
وقال تعالى: {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} .