اكرم به ملكا في جنة بهجت ... بالملك والخلد جاره الله
وجاء في صفة الجنة لابن أبي الدنيا: (قال بعض الحكماء: ما أخرك أيها التعب في طلب عيش لا يدوم بقاؤه، ولا يصفو من الأحداث والغير أقذاؤه، عما ندبك إليه القرآن، وهتك لك عنه حجاب الملوك؛ لعله تغنيك عن ذلك نظرك في وجنة ميتة تزيد الأمراض غضارة كمالها، وتتبرها الأحداث شكل جمالها، ويبلى في التراب غض جدتها، ويعفر البلى رونق صورتها أفيها كلفت، وقنعت بالنظر إليها أم بدار خلقت جدة بدنك في نفس رواقها، وجهدت نفسك وتعبت في تزويقها وستور تعفرها الرياح والأيام موكلة بتمزيقها، اعتضت بهذا وليس يساق لك من دار الحياة ومحله نفيت عنها المنون ودواير الغير وحجبها بدوام النعيم عن التنغص والخدم وحشاها بأنواع سرور لا يبور، ويحك فأجب ربك تبارك وتعالى إذا دعاك إلى جواره، وارغب إليه لترافق أولياءه في داره في عرضة حفت بالنعيم وخص أهلها بالإكرام وسماها ربك عز وجل إذ بناها بيده دار سلام وملأها من طواطئ القلوب، فظفر بسؤال أهلها من الله عز وجل باختصاصها وأنزل منى الشهوات عن أكناف عرصاتها، دار وافقت جزاء الأبرار الذين خلعوا له الراحة ووفوا بالميثاق، ودار أسسها بالذكر إذ بناها ورفع بالدر والياقوت شرف ذراها، وكسا كثبان المسك الأذفر والعنبر الأشهب في قبابها، ونجدها بالزرابي من خيامها وبسط العبقري في بطن رحابها وزينها برقاق إستبرقها بالديباج بنمارقها وكساها جلبابا من نور عرشه فأزهرت وما فيها، فلو يسفر الشمس طست تلألئها، ولو برزت هذه تبغي أن تباهيها لانكدرت وأظلمت في نور علاليها، وصفقت في صدور تلك الخيام أسرر مكللة بالجوهر موصلة بقضبان اللؤلؤ والياقوت الأحمر تسير بأولياء الله عز وجل مع الخفرات الأوانس في أروقة اللؤلؤ بين تلك الحلل على فرش الإستبرق وطرائف المجالس، مع اللواتي يكاد ينحسر عن ماء وجانهن نواظر العيون، ويدله الفكر دون الظفر بصفة ولدان كأنهم اللؤلؤ المكنون، فكيف بالبيضاء المكنونة في قبابها، والقاصرة الطرف المحبوسة في خبائها، والآنسة الملكة في قصرها؟ فأين مشتاق إلى نزول دارها، فيبذل الجهد ليسكن الجنة مع حورها، وينعم في غرفاتها ومنازل في مقاصيرها، وتحية الملائكة بالبشارة من ربه حين يفد عليها، وتبدره إلى زوجته ليسرها به قبل أن يصل إليها، فيلبسنها الوصائف حللا حسب من أكمام شجرها، ويحلينها بمراسل من نفيس جوهرها في سلوك اللؤلؤ الرطب، يسطع نوره في نحرها ويشرق، يتلألأ لحسن جيدها، وينظم الياقوت مع فاخر زبرجدها، ويسبل ستور الدر على ضوء خدها، والوشاح قد أرسل على لين صدرها، وعينها تباري صفاء حسن درها، وكأنما النور أسكن بين مفارق شعرها، إذا خطت خلت المسك يفور من أذيالها، والعنبر الأشهب كمن بين حللها، فمن يصفها ملتحفة فوق أكاليلها، إذا اعتجزت بالأردية، ورباط نورها، ورفلت بينهن لترقى على سريرها تتهادى،