قال ابن كثير في التفسير:"وقد ورد في حديث الصور أن المؤمنين إذا انتهوا إلى أبواب الجنة تشاوروا فيمن يستأذن لهم بالدخول، فيقصدون آدم، ثم نوحا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم محمدا، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، كما فعلوا في العرصات عند استشفاعهم إلى الله عز وجل، أن يأتي لفصل القضاء، ليظهر شرف محمد - صلى الله عليه وسلم - على سائر البشر في المواطن كلها."انتهى.
قال ابن القيم في بدائع الفوائد بعد تقرير ما سبق:"فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بأن سيد الخلائق - صلى الله عليه وسلم - يأتي باب الجنة فيلقاه مغلقا حتى يستفتحه؟ قلنا: هذا من تمام إظهار شرفه وفضله على الخلائق أن الجنة تكون مغلقة فلا تفتح لأهلها إلا على يديه، فلو جاءها وصادفها مفتوحة فدخلها هو وأهلها لم يعلم الداخلون أن فتحها كان على يديه، وأنه هو الذي استفتحها لهم، ألا ترى أن الخلق إذا راموا دخول باب مدينة أو حصن وعجزوا ولم يمكنهم فتحه حتى جاء رجل ففتحه لهم أحوج ما كانوا إلى فتحه كان في ذلك من ظهور سيادته عليهم وفضله وشرفه ما لا يعلم لو جاء هو وهم فوجدوه مفتوحا."انتهى.
قال ابن القيم في الحادي:" {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} . بقي أن يقال: فما السر في حذف الجواب في آية أهل الجنة وذكره في آية أهل النار؟ فيقال: هذا أبلغ في الموضعين، فإن الملائكة تسوق أهل النار إليها وأبوابها مغلقة حتى إذا وصلوا إليها فتحت في وجوههم فيفجأهم العذاب بغتة، فحين انتهوا إليها فتحت أبوابها بلا مهلة، فإن هذا شأن الجزاء المرتب على الشرط أن يكون عقيبه، فإنها دار الإهانة والخزي، فلم يستأذن لهم في دخولها ويطلب إلى خزنتها أن يمكنوهم من الدخول، وأما الجنة فإنها دار الله ودار كرامته ومحل خواصه وأوليائه، فإذا انتهوا إليها صادفوا أبوابها مغلقة، فيرغبون إلى صاحبها ومالكها أن يفتحها لهم ويستشفعون إليه بأولي العزم من رسله، وكلهم يتأخر عن ذلك، حتى تقع الدلالة على خاتمهم وسيدهم وأفضلهم، فيقول: أنا لها، فيأتي إلى تحت العرش ويخر ساجدا لربه، فيدعه ما شاء الله أن يدعه، ثم يأذن له في رفع رأسه وأن يسأله حاجته، فيشفع إليه سبحانه في فتح أبوابها، فيشفعه ويفتحها، تعظيما لخطرها وإظهارا لمنزلة رسوله وكرامته عليه، وإن مثل هذه الدار هي دار ملك الملوك ورب العالمين، إنما يدخل إليها بعد تلك الأهوال العظيمة التي أولها من حين عقل العبد في هذه الدار إلى أن انتهى إليها، وما ركبه من الأطباق طبقا بعد طبق، وقاساه من الشدائد شدة بعد شدة، حتى أذن الله تعالى لخاتم أنبيائه ورسله وأحب خلقه إليه أن يشفع إليه في فتحها لهم، وهذا أبلغ وأعظم في تمام النعمة وحصول الفرح والسرور مما يقدر بخلاف ذلك، لئلا يتوهم الجاهل أنها بمنزلة الخان الذي يدخله من شاء، فجنة الله غالية بين الناس، وبينها من العقبات والمفاوز والأخطار مالا تنال إلا به،"