وروي عن يحيى ابن أبي كثير قال: (عشب الجنة الزعفران، وكثبانها المسك، ويطوف عليهم الولدان بالفواكه فيأكلونها، ثم يؤتون بمثلها فيقول لهم أهل الجنة: هذا الذي آتيتمونا به آنفا، فيقول لهم الولدان: كلوا فإن اللون واحد، والطعم مختلف، وهو قول الله: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} ) . رواه ابن أبي حاتم.
قال ابن القيم في الحادي:"وهل المراد هذا الذي رزقنا في الدنيا نظيره من الفواكه والثمار أو هذا نظير الذي رزقناه قبل في الجنة؟ قيل فيه قولان، ففي تفسير السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي: {قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} (أنهم أتوا بالثمرة في الجنة، فلما نظروا إليها قالوا هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا) قال مجاهد: ما أشبهه به، وقال ابن زيد: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا، وأتوا به متشابها يعرفونه."
وقال آخرون: هذا الذي رزقنا من قبل من ثمار الجنة من قبل هذا، لشدة مشابهة بعضه بعضا في اللون والطعم، واحتج أصحاب هذا القول بحجج:
إحداها: أن المشابهة التي بين الثمار الجنة بعضها لبعض أعظم من المشابهة التي بينها وبين ثمار الدنيا، ولشدة المشابهة قالوا هذا هو.
الحجة الثانية: ما حكاه ابن جرير عنهم قال: ومن علة قائلي هذا القول أن ثمار الجنة كلما نزع منها شيء عاد مكانه آخر مثله كما كان، حدثنا ابن بشار حدثنا ابن مهدي حدثنا سفيان سمعت ابن مرة يحدث عن أبي عبيدة -وذكر ثمر الجنة- وقال: (كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى) .
الحجة الثالثة: قوله: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} وهذا كالتعليل، والسبب الموجب لقولهم هذا الذي رزقنا من قبل.
الحجة الرابعة: أن من المعلوم أنه ليس كل ما في الجنة من الثمار قد رزقوه في الدنيا، وكثير من أهلها لا يعرفون ثمار الدنيا ولا رأوها.
ورجحت طائفة منهم ابن جرير وغيره القول الآخر واحتجت بوجوه، قال ابن جرير:"والذي يحقق صحة قول القائلين أن معنى ذلك هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا، أن الله جل ثناؤه قال: كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا يقولون هذا الذي رزقنا من قبل)، ولم يخصص أن ذلك من قيلهم في بعض دون بعض، فإذا كان قد أخبر جل ذكره عنهم أن ذلك من قيلهم كلما رزقوا ثمرة، فلا شك أن ذلك من قيلهم في أول رزق رزقوه"