مسيرة أربع مئة عام، وكذا سقط من رواية الترمذي ذكر الماء، والكرسي، والعرش، والجنة، وليس فيها إلا بيان مسافة السموات.
قوله: (وفوقه عرش الرحمن) وهو سقف الجنة، وحينئذ لا بأس بكون عرش الرحمن سقفا لجميع درجات الجنة، مع كون بعضها أوسط، وبعضها أعلى.
واعلم أن ههنا مقامين: الأول في بيان مسافة درجات الجنة، والثاني في بيان حيز الجنة، فنقول: إن مسافة الجنة مسيرة خمسين ألف سنة، كما يلوح من رواية البخاري، فإن للجنة مائة درجة، وما بين كل درجة مسيرة خمسة مائة عام، فبضربها في المئة يحصل العدد المذكور، ويرد عليه قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} ، على تفسير. والناس في تفسيره مختلفون، فقيل: إنه مدة يوم الحساب، وإن كانت المحاسبة فيه بلحظات يسيرة، وهي كما بين الظهر والعصر، كما في رواية. وهذا أيضا حساب العوام، أما المقربون فيحاسبون في طرفة عين. وقيل: بل فيه بيان المسافة من الأرض إلى الجنة، وحينئذ ناقض الحديث ما في الآية، فإن تلك المسافة في الحديث مسافة لدرجات الجنة فقط، وبانضمام مسافة الأرض إلى السماء ومسافة السموات فيما بينها تزيد على نحو أربعة آلاف، فلا يلتئم الحديث بالقرآن.
والجواب عندي أن المسافة في حديث البخاري هي مسافة درجات الجنة فقط، وهي مسيرة خمسين ألف سنة، وأما مسافة السموات والأرض، فلم تتعرض إليها رواية البخاري، وذكرها الترمذي، فرواية الترمذي تعرضت إلى مسافة العالم السفلي فقط، أي من الأرض إلى السموات، ورواية البخاري دلت على مسافة العالم العلوي فقط، وهي من السموات إلى العرش، وعلى هذا لو ذهبنا إلى أن المذكور في الآية قدر المسافة دون سعة اليوم، فينبغي أن تكون تلك المسافة للعالم العلوي فقط.
وإنما تعرضت إلى تعيين تلك المسافة، لأني أجد شهرتها بين السلف أيضا، ففي حكاية: أن هارون الرشيد قال لمالك: إني أريد أن أستفيد منك شيئا، فلم يزل ينتظره بعد ذلك، فلم يجيء، وكذلك الرشيد كان ينتظر الإمام مالكا، فلم يجيء أحدهما إلى الآخر، فلما التقيا قال مالك: يا أمير المؤمنين إن القرآن نزل من مسافة خمسين ألف سنة، فإن لم تعظمه أنت أيضا، فمن يعظمه؟"انتهى."