والنظرية الإسلامية: أن الخلق غير الخالق. وأن الخالق ليس كمثله شيء .. ومن هنا تنتفي من التصور الإسلامي فكرة:"وحدة الوجود"على ما يفهمه غير المسلم من هذا الاصطلاح - أي بمعنى أن الوجود وخالقه وحدة واحدة - أو أن الوجود إشعاع ذاتي للخالق ، أو أن الوجود هو الصورة المرئية لموجده.. أو على أي نحو من أنحاء التصور على هذا الأساس.. والوجود وحدة فِي نظر المسلم على معنى آخر: وحدة صدوره عن الإرادة الواحدة الخالقة ، ووحدة ناموسه الذي يسير به ، ووحدة تكوينه وتناسقه واتجاهه إلى ربه فِي عبادة وخشوع:
{بل له ما فِي السماوات والأرض كل له قانتون} ..
فلا ضرورة لتصور أن له من بين ما فِي السماوات والأرض ولداً.. فالكل من خلقه بدرجة واحدة ، وبأداة واحدة:
{بديع السماوات والأرض. وإذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن فيكون} ..
وتوجه الإرادة يتم بكيفية غير معلومة للإدراك البشري ، لأنها فوق طاقة الإدراك البشري.
فمن العبث إنفاق الطاقة فِي اكتناه هذا السر ، والخبط فِي التيه بلا دليل!
وإذ ينتهي من عرض مقولة أهل الكتاب فِي ادعاء الولد لله - سبحانه - وتصحيح هذه المقولة وردها ، يتبعها بمقولة للمشركين فيها من سوء التصور ما يتسق مع سوء التصور عن أهل الكتاب:
{وقال الذين لا يعلمون: لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية! كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم} .
والذين لا يعلمون هم الأميون الذين كانوا مشركين ؛ إذ لم يكن لديهم علم من كتاب. وكثيراً ما تحدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكلمهم الله أو أن تأتيهم خارقة من الخوارق المادية.. وذكر هذه المقولة هنا مقصود لبيان أن الذين من قبلهم - وهم اليهود وغيرهم - طلبوا مثل هذا من أنبيائهم. فلقد طلب قوم موسى أن يروا الله جهرة ، وطلبوا وتعنتوا فِي طلب الخوارق المعجزة. فبين هؤلاء وهؤلاء شبه فِي الطبيعة ، وشبه فِي التصور ، وشبه فِي الضلال:
{تشابهت قلوبهم} ..