الدلالة على أن الكرة الثانية أبلغ من الأولى، ونحوه قوله: ألا يا أسلمي ثم أسلمي، ثمّت أسلمي.
فإن قلت: ما معنى المتوسطة بين الأفعال التي بعدها؟ قلت: الدلالة على أنه قد تأتى في التأمل والتمهل، وكأن بين الأفعال المتناسقة تراخيا وتباعدا ..
فإن قلت: فلم قيل: فَقالَ إِنْ هذا ... بالفاء بعد عطف ما قبله بثم؟ قلت: لأن الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب، لم يتمالك أن نطق بها من غير تلبث.
فإن قلت: فلم لم يوسط حرف العطف بين الجملتين؟ قلت: لأن الأخرى جرت من الأولى مجرى التوكيد من المؤكد.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الوعيد الشديد الذي توعد به هذا الشقي الأثيم فقال:
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وسقر: اسم لطبقة من طبقات جهنم، والجملة الكريمة بدل من قوله:
سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً أي: سأحرقه بالنار المتأججة الشديدة الاشتعال.
وقوله: وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ تهويل من حال هذه النار وتفظيع لشدة حرها.
أي: وما أدراك ما حال سقر؟ إن حالها وشدتها لا تستطيع العبارة أن تحيط بها.
وجملة لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ بدل اشتمال من التهويل الذي أفادته جملة وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ.
أي: هذه النار لا تبقى شيئا فيها إلا أهلكته، ولا تترك من يلقى فيها سليما، بل تمحقه محقا، وتبلعه بلعا، وتعيده - بأمر الله تعالى - إلى الحياة مرة أخرى ليزداد من العذاب، كما
قال - تعالى -: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ....
وقوله: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ صفة ثالثة من صفات سقر.
ومعنى: لَوَّاحَةٌ مغيّرة للبشرات. مسوّدة للوجوه، صيغة مبالغة من اللّوح بمعنى تغيير الشيء يقال: فلان لوّحته الشمس، إذا سوّدت ظاهره وأطرافه. والبشر: جمع بشرة وهي ظاهر الجلد.
أي: أن هذه النار من صفاتها - أيضا - أنها تغير ألوان الجلود، فتجعلها مسودة بعد أن كانت على غير هذا اللون، وأنها تنزل بالأجساد من الآلام ما لا يعلمه إلا الله - تعالى - .
وقوله - تعالى -: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ صفة رابعة من صفات سقر. أي: على هذه النار تسعة عشر ملكا، يتولون أمرها، وينفذون ما يكلفهم الله - تعالى - في شأنها.