31 -ولما نزل قوله تعالى: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) } قال أبو جهل: أما لمحمد من الأعوان إلا تسعة عشر يخوفكم محمد بتسعة عشر، وأنتم الدهم، أفيعجز كل مائة رجل منكم أن يبطشوا بواحد منهم ثم يخرجون من النار، فقال أبو الأشد وهو رجل من بني جمح: يا معشر قريش إذا كان يوم القيامة، فأنا أمشي بين أيديكم، فادفع عشرة بمنكبي، الأيمن وتسعة بمنكبي الأيسر، ونمضي ندخل الجنة. فأنزل الله سبحانه: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ} ؛ أي: المدبرين لأمرها، القائمين بتعذيب أهلها. فأصحاب النار هنا غير أصحاب النار في قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} . {إِلَّا مَلَائِكَةً} ليخالفوا جنس المعذبين من الثقلين، فلا يرقوا لهم ولا يميلوا إليهم، فإن المجانسة مظنة الرأفة، فلذا بعث الرسول من جنسنا ليرحم بنا، ولأنهم أقوى الخلق وأقومهم بحق الله، وبالغضب له تعالى وأشدهم بأسًا. وعن النبي - صلى الله عليه وسلم -:"القوة أحدهم مثل قوة الثقلين، يسوق أحدهم الأمّة، وعلى رقبته جبل فيرمي بهم في النار ويرمي بالجبل عليهم".
والمعنى: أي وما جعلنا المدبّرين لأمر النار القائمين بعذاب من فيها إلا ملائكة، فمن يطيق الملائكة ومن يغلبهم، وهؤلاء هم النقباء والمدبرون لأمرها. وإنما كانوا ملائكة لأنهم أقوى الخلق وأشدهم بأسًا، وأقومهم بحق الله تعالى وبالغضب له سبحانه"، وليكونوا من غير جنس المعذّبين حتى لا يرقوا لهم، ويرحموهم."
ثم ذكر الحكمة في اختيار هذا العدد القليل، فقال: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ} ؛ أي: وما جعلنا في القرآن عددهم هذا العدد القليل {إِلَّا فِتْنَةً} ؛ أي: محنة وضلالة {لِلَّذِينَ كَفَرُوا} الذين استقلوا عددهم؛ أي: ما جعلنا تلك العدّة، وهي تسعة عشر إلا سبب فتنة وضلالة للذين كفروا حتى قالوا ما قالوا ليتضاعف عذابهم، ويكثر غضب الله عليهم. وفتنتهم به أنهم استقلوه واستهزؤوا به واستبعدوه، وقالوا: كيف يتوتى هذا العدد القليل تعذيب الثقلين. وقوله: {إِلَّا فِتْنَةً} مفعول لـ {جعل} على حذف مضاف؛ أي: إلا سبب فتنة وللذين صفة لـ {فِتْنَةً} ، وليست {فِتْنَةً} مفعولًا له اهـ"سمين".