ولمَّا ذكر سبحانه قبائح المتعنِّتين الطالبين للرئَاسة من اليهود والنصارى، أتبع ذلك بمدح من ترك طريق التعنت وحبَّ الرئَاسة منهم، وطلب مرضاة الله تعالى، وحسن ثواب الآخرة، وآثره على الحظوظ العاجلة الفانية، فقال:
121 - {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} من قبلك يا محمد! من مؤمني أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه، وبحيرا الراهب وأصحابه، والنجاشيِّ وأصحابه، من الذين أسلموا من اليهود والنصارى، وإنّما خصَّهم بذكر الإيتاء؛ لأنّهم هم الذين عملوا به فخُصُّوا به، والكتاب التوراة والإنجيل، واسم الموصول مبتدأ أول، خبره جملة قوله: {أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: الذين أعطيناهم التوراة والإنجيل حال كونهم {يَتْلُونَهُ} ، أي: يتلون ذلك الكتاب ويقرؤونه {حَقَّ تِلَاوَتِهِ} بمراعاة لفظه عن التحريف، وبالتدبُّر في معانيه، والعمل بما فيه، وهو حال مقدَّرةٌ من الضمير المنصوب في آتيناهم، أو من الكتاب؛ لأنّهم لم يكونوا تالين له وقت الإيتاء، وقوله: {حَقَّ تِلَاوَتِهِ} نعتٌ لمصدر محذوف دلَّ عليه الفعل المذكور؛ أي: يتلونه تلاوةً حقَّ تلاوته، واختار الكواشيُّ كونه منصوبًا على المصدرية على تقدير تلاوة حقًّا، فإنَّ نعت المصدر إذا قدم عليه، وأضيف إليه نصب المصادر، نحو: ضربت أشدَّ الضرب، بنصب أشدَّ على المصدرية، والمعنى: أي: يقرؤونه قراءةً حقَّةً، كما أنزل، لا يغيّرونه، ولا يحرّفونه، ولا يبدّلون ما فيه من نعت محمد - صلى الله عليه وسلم - .