قوله: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} هو من جملة الموحى به، أي وأوحى إلي كون المساجد مختصة بالله؛ واختلف في المراد بالمساجد، فقيل: هي جمع مسجد بكسر الجيم وهو موضع السجود، فالمراد به جميع البقاع، لأن الأرض جعلت كلها مسجداً لهذه الأمة، وقيل جمع مسجد بالفتح وهو الأعضاء الواردة في الحديث:"الجبهة والأنف والركبتان واليدان والقدمان". والمعنى: أن هذه الأعضاء نعم أنعم الله بها عليك، فلا تسجد لغير الله، فتجحد نعمة الله، وقيل: المراد بها الأماكن المبنية للعبادة، وإضافة المساجد إلى الله تعالى للتشريف والتكريم، وقد تنسب لغيره على سبيل التعريف، كما في الحديث"صلاة في مسجدي هذا، خير من ألف صلاة فما سواه، إلا المسجد الحرام".
قوله: {فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَداً} أي لا تعبدوا غير الله، فهو توبيخ للمشركين في عبادتهم الأصنام، وقيل المعنى: أفردوا المساجد بذكر الله تعالى، ولا تجعلوا لغير الله فيها نصيباً، كما في الحديث:"من نشد ضالة في المسجد فقولوا: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لها". وفي الحديث:"كان إذا دخل المسجد، قدم رجله اليمنى وقال: وإن المساجد لله، فلا تدعوا مع الله أحداً، اللهم أنا عبدك وزائرك، وعلى كل مزور حق، وأنت خير مزور، فأسألك برحمتك أن تفك رقبتي من النار". وإذا خرج من المسجد، قدم رجله اليسرى وقال:"اللهم صب علي الخير صباً، ولا تنزع عني صالح ما أعطيتني أبداً، ولا تجعل معيشتي كداً، واجعل لي في الأرض جداً"أي غنى.
قوله: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ} الخ، سياق هذه الآية إنما يظهر في المرة الثانية، وهي التي كانت في الحجون، وكان معه فيها ابن معسود، وكان الجن إذ ذاك اثني عشر ألفاً، وقيل سبعين ألفاً، وبايع جميعهم وفرغوا من بيعته عند انشقاق الفجر، ووصفه الله بالعبودية، زيادة في تشريفه وتكريمه.
قوله: (ببطن نخل) المناسب أن يقول: بحجون مكة، وهي المرة الثانية، وأما الأولى التي هي ببطن نخل، فكانوا سبعة أو تسعة، فلا يتأتى قوله: {كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} .
قوله: (بكسر اللام وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان.