والتوكيد في هذه السورة والسورة السابقة قبلها وفي سورة القلم كذلك على منع الخير , وعدم الحض على طعام المسكين , وجمع المال في الأوعية إلى جانب الكفر والتكذيب والمعصية . . هذا التوكيد يدل على أن الدعوة كانت تواجه في مكة حالات خاصة يجتمع فيها البخل والحرص والجشع إلى الكفر والتكذيب والضلالة . مما اقتضى تكرار الإشارة إلى هذا الأمر , والتخويف من عاقبته , بوصفه من موجبات العذاب بعد الكفر والشرك بالله .
وفي هذه السورة إشارات أخرى تفيد هذا المعنى , وتؤكد ملامح البيئة المكية التي كانت تواجهها الدعوة . فقد كانت بيئة مشغولة بجمع المال من التجارة ومن الربا . وكان كبراء قريش هم أصحاب هذه المتاجر , وأصحاب القوافل في رحلتي الشتاء والصيف . وكان هنالك تكالب على الثراء , وشح النفوس يجعل الفقراء محرومون , واليتامى مضيعين . ومن ثم تكرر الأمر في هذا الشأن وتكرر التحذير . وظل القرآن يعالج هذا الجشع وهذا الحرص ; ويخوض هذه المعركة مع الجشع والحرص في أغوار النفس ودروبها قبل الفتح وبعده على السواء . مما هو ظاهر لمن يتتبع التحذير من الربا , ومن أكل أموال الناس بالباطل , ومن أكل أموال اليتامى إسرافا وبدارا أن يكبروا ! ومن الجور على اليتيمات واحتجازهن للزواج الجائر رغبة في أموالهن ! ومن نهر السائل , وقهر اليتيم , ومن حرمان المساكين ... إلى آخر هذه الحملات المتتابعة العنيفة الدالة على الكثير من ملامح البيئة . فضلا على أنها توجيهات دائمة لعلاج النفس الإنسانية في كل بيئة . وحب المال , والحرص عليه , وشح النفس به , والرغبة في احتجانه , آفة تساور النفوس مساورة عنيفة , وتحتاج للانطلاق من إسارها والتخلص من أوهاقها , والتحرر من ربقتها , إلى معارك متلاحقة , وإلى علاج طويل !
الدرس الثاني:19 - 35 من طبيعة النفس الإنسانية التي يهذبها الإسلام وصفات الصالحين