فما بال (المجرم) ? إن الهول ليأخذ بحسه , وإن الرعب ليذهب بنفسه , وإنه ليود لو يفتدي من عذاب يومئذ بأعز الناس عليه , ممن كان يفتديهم بنفسه في الحياة , ويناضل عنهم , ويعيش لهم . . ببنيه . وزوجه . وأخيه , وعشيرته القريبة التي تؤويه وتحميه . بل إن لهفته على النجاة لتفقده الشعور بغيره على الإطلاق , فيود لو يفتدي بمن في الأرض جميعا ثم ينجيه . . وهي صورة للهفة الطاغية والفزع المذهل والرغبة الجامحة في الإفلات ! صورة مبطنة بالهول , مغمورة بالكرب , موشاة بالفزع , ترتسم من خلال التعبير القرآني الموحي .
وبينما المجرم في هذه الحال , يتمنى ذلك المحال , يسمع ما ييئس ويقنط من كل بارقة من أمل , أو كل حديث خادع من النفس . كما يسمع الملأ جميعا حقيقة الموقف وما يجري فيه:
كلا ! إنها لظى . نزاعة للشوى . تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى . .
إنه مشهد تطير له النفس شعاعا , بعد ما أذهلها كرب الموقف وهوله . . (كلا !) في ردع عن تلك الأماني
من الآية 15 إلى الآية 18
كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى (16) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18)
المستحيلة في الافتداء بالبنين والزوج والأخ والعشيرة ومن في الأرض جميعا . . (كلا ! إنها لظى) نار تتلظى وتتحرق (نزاعة للشوى) تنزع الجلود عن الوجوه والرؤوس نزعا . . وهي غول مفزعة . ذات نفس حية تشارك في الهول والعذاب عن إرادة وقصد: تدعوا من أدبر وتولى وجمع فأوعى . . تدعوه كما كان يدعى من قبل إلى الهدى فيدبر ويتولى . ولكنه اليوم إذ تدعوه جهنم لا يملك أن يدبر ويتولى ! ولقد كان من قبل مشغولا عن الدعوة بجمع المال وحفظه في الأوعية ! فأما اليوم فالدعوة من جهنم لا يملك أن يلهو عنها . ولا يملك أن يفتدي بما في الأرض كله منها !