{لا تخفى منكم} أي: في ذلك اليوم على أحد بوجه من الوجوه ، وقرأ حمزة والكسائي بالياء التحتية ؛ لأن التأنيث مجازي والباقون بالتاء وهو ظاهر ، {خافية} أي: من السرائر التي كان من حقها أن تخفى في دار الدنيا ، فإنه عالم بكل شيء من أعمالكم. ونظيرة قوله تعالى: {لا يخفى على الله منهم شيء} (غافر: (. قال الرازي: والعرض للمبالغة في التهديد يعني تعرضون على من لا تخفى عليه خافية ، قال القرطبي: هذا هو العرض على الله تعالى ودليله {وعرضوا على ربك صفاً} (الكهف: (
وليس ذلك عرضاً ليعلم ما لم يكن عالماً به ، بل ذلك العرض عبارة عن المحاسبة والمساءلة وتقرير الأعمال عليهم للمجازاة قال صلى الله عليه وسلم"يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات ، فأما عرضتان فجدال ومعاذير ، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله".
قال تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه} أي: الذي أثبتت فيه أعماله {فيقول} لما رأى من سعادته تبجعاً بحاله وإظهاراً لنعمة ربه ؛ لأن الإنسان مطبوع على أن يظهر ما آتاه الله تعالى من خير تكميلاً للذته قيل: إنه تكتب سيئاته في باطن صحيفته وحسناته في ظاهرها فيقرأ الباطن ويقرأ الناس الظاهر ، فإذا أنهاه قيل له: قد غفرها الله تعالى اقلب الصحيفة ، فحينئذ يكون قوله: {هاؤم اقرؤوا} أي: خذوا اقرؤوا {كتابيه} يقول ذلك ثقة بالإسلام وسروراً بنجاته ؛ لأن اليمين عند العرب من دلائل الفرح قال الشاعر:
*إذا ما راية رفعت لمجد ** تلقاها عرابة باليمين*