ولما ذكر التأثير في الأحياء أتبعه التأثير في الجمادات وبدأ منها بالسفليات لملابستها للإنسان فتكون عبرته بها أكثر ، فقال تعالى: {وحملت الأرض والجبال} أي: التي بها ثباتها حملتهما الريح أو الملائكة أو القدرة من أماكنهما {فدكتا} أي: مسحت الجملتان الأرض وأوتادها وبسطت ودق بعضها ببعض {دكة واحدة} أي: فصارتا كثيباً مهيلاً بأيسر أمر ، فلم يميز شيء منهما عن الآخر بل صارتا في غاية الاستواء ، ومنه اندك سنام البعير إذا انفرش في ظهره ، وقال الفراء: لم يقل فدككن لأنه جعل الجبال كلها كالجملة الواحدة والأرض كالجملة الواحدة ، ومثله {أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما} (الأنبياء: (
ولم يقل كن وهذا الدك كالزلزلة لقوله تعالى: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} (الزلزلة: (
وقوله تعالى: {فيومئذ} منصوب بوقعت وقوله تعالى: {وقعت الواقعة} لابد فيه من تأويل ، وهو أن تكون الواقعة صارت علماً بالغلبة على القيامة أو الواقعة العظيمة وإلا فقام القائم لا يجوز إذ لا فائدة فيه ، والتنوين في يومئذ للعوض من الجملة تقديره: يوم إذ نفخ في الصور ، ونوع تعالى أسماء القيامة بالحاقة والواقعة والقارعة تهويلاً لها.
ولما ذكر تأثير العالم السفلي ذكر العلوي بقوله تعالى: {وانشقت السماء} أي: ذلك الجنس لشدة هول ذلك اليوم ، أي: انصدعت وتفطرت ، وقيل: انشقت لنزول الملائكة بدليل قوله تعالى: {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً} (الفرقان: (. {فهي يومئذ واهية} أي: ضعيفة متساقطة خفيفة لا تتماسك كالعهن المنفوش بعدما كانت محكمة يقال: وهي البناء يهي وهياً فهو واه إذا ضعف جداً ويقال: كلام واه ، أي: ضعيف وقيل: واهية ، أي: متخرّقة مأخوذ من قولهم: وهي السقاء إذا تخرّق ومن أمثالهم:
*خل سبيل من وهي سقاؤه ** ومن هريق بالفلاة ماؤه*