انك إذا رأيت أحداً يسلك فِي طريق تنجر إلى هلاكه ، فاولاً تنصحه قائلا له: مذهبك هذا ينهار بك فِي البوار فتجنَّب. وأن لم ينته بنُهاه تعود عليه بالزجر والنهي والنعي وتؤيد نهيَك وتديمَه فِي ذهنه إما بتخويفه بنفرة العموم ، وأما بترقيق قلبه بالشفقة الجنسية كما سيأتيك بيانهما. فإن كان ذلك الشخص متعنتا لجوجاً مصراً ألدَّ راكباً متن الجهل المركّب فهو لا يسكت بل يدافع عن نفسه ، كما هو شأن كل مفسد يرى فساده صلاحا ؛ إذ الإنسان ية لا تخلى أن يرتكب الفساد من حيث هو فساد.. ثم يستدل ويدعي بأن طريقي هذا حق ، ومعلوم انه كذلك ؛ فلا حق لك فِي النصيحة فلا احتياج إلى نصيحتك.. بل أنت محتاج إلى التعلم.. فما السبيل السويّ إلاّ سبيلنا ، فلا تعرض بوجود طريق أصوب.. وإن كان ذلك الشخص اللجوج ذا الوجهين يكون كلامه ذا اللسانين ؛ يداري الناصح لإلزامه بوجه ، ويتحفظ على مسلكه بآخر فيقول: أنا مصلح أي ظاهراً كما تطلب وباطناً كما اعتقد.. ثم من شأنه تأييد وتأكيد دعواه بأن الصلاح من صفتي المستمرة ، لا اني كنت صالحا الآن بعد فسادي قبل.. ثم إذا كان ذلك الشخص متمردا ًومتنمراً ومصراً فِي نشر مذهبه ، وترويج مسلكه ، وتزييف ناصحه وتعريض أهل الحق بهذه الدرجة ، ظهر انه لايجدي له دواء ، ولم يبق إلا آخر الدواء ، أعني: المعالجة لعدم السراية وما هذه المعالجة الا تنبيه الناس واعلامهم بانه مفسد لا صلاح فيه ؛ إذ لا يستعمل عقله ولا يستخدم شعوره حتى يحس بهذا الشيء الظاهر المحسوس.
فإذا تفهمت الحلقات المسردة فِي هذا المثال تفطنت ما بين الجمل المنصوصة والمرموزة إليها بالقيود فِي وإذا قيل لهم إلى آخره. فإن فيما بينها نظما فطريا بإيجاز يحمرّ من تحته الاعجاز.
وأما نظم هيئات كل جملة جملة:
فاعلم! أن جملة (وإذا قيل لهم لا تفسدوا فِي الأرض) القطعية فِي (إذا) إشارة إلى لزوم النهي عن المنكر ووجوبه..