فيما فعلته الأيدي السليمة وحينئذ يتأتى ما قاله الصاحب بن عباد فِي هذا الباب: كيف يأمر الله تعالى العبد بالإيمان وقد منعه منه وينهاه عن الكفر وقد حمله عليه ، وكيف يصرفه عن الإيمان ثم يقول: {أنى يُصْرَفُونَ} [غافر: 69] ويخلق فيهم الإفك ثم يقول: {أنى تُؤْفَكُونَ} [الأنعام: 95] وأنشأ فيهم الكفر ثم يقول {لِمَ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 70] وخلق فيهم لبس الحق بالباطل ثم يقول: {لم تَلْبِسُواْ الحق بالباطل} [آل عمران: 71] وصدهم عن السبيل ثم يقول: {لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} [آل عمران: 99] وحال بينهم وبين الإيمان ثم قال: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءامَنُواْ} [النساء: 39] وذهب بهم عن الرشد ثم قال: {فَأيْنَ تَذْهَبُونَ} [التكوير: 26] وأضلهم عن الدين حتى أعرضوا ثم قال: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ} [المدثر: 49] ؟ فإن أجابوا بأن لله أن يفعل ما يشاء ولا يتعرض للاعتراض عليه المعترضون {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ} [الأنبياء: 23] قلنا لهم: هذه كلمة حق أريد بها باطل وروضة صدق ولكن ليس لكم منها حاصل لأن كونه تعالى لا يسأل عما يفعل ليس إلا لأنه حكيم لا يفعل ما عنه يسأل وإذا قلتم لا أثر للقدرة الحادثة فِي مقدورها كما لا أثر للعلم فِي معلومه فوجه مطالبة العبد بأفعاله كوجه مطالبته بأن يثبت فِي نفسه ألواناً وإدراكات وهذا خروج عن حد الاعتدال إلى التزام الباطل والمحال ، وفيه إبطال الشرائع العظام ورد ما ورد عن النبيين عليهم الصلاة والسلام.
وإن أرادوا بالكسب فعل العبد استقلالا ما يريده هو وإن لم يرده الله تعالى فهذا مذهب المعتزلة وفيه الخروج عما درج عليه سلف الأمة واقتحام ورطات الضلال وسلوك مهامه الوبال.
مسا ولو قسمن على الغواني...
لما أمهرن إلا بالطلاق