وقوله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 8] أي الثابتين لها فِي نفس الأمر والكل من حيث أنه خلقه حسن لكونه بارزاً بمقتضى الحكمة من صانع مطلق لا حاكم عليه ولهذا قال عز شأنه: {أَحْسَنَ كُلَّ شَيْء خَلَقَهُ} [السجدة: 7] و {مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت} [الملك: 3] أي من حيث أنه مضاف إليه ومفاض منه وإن تفاوت من جهة أخرى وافترق عند إضافة بعضه إلى بعض ، فعلى هذا يكون الختم منه سبحانه وتعالى دليلاً على سواء استعدادهم الثابت فِي علمه الأزلي الغير المجعول بل هذا الختم الذي هو من مقتضيات الاستعداد لم يكن من الله تعالى إلا إيجاده وإظهار يقينه طبق ما علمه فيهم أزلاً حيث لا جعل {وَمَا ظَلَمَهُمُ الله} [النحل: 33] تعالى فِي إظهاره إذ من صفاته سبحانه إفاضة الوجود على القوابل بحسب القابليات على ما تقتضيه الحكمة {ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} حيث كانت مستعدة بذاتها لذلك فحينئذ يظهر أن إسناد الختم إليه تعالى باعتبار الإيجاد حقيقة ويحسن الذم لهم به من حيث دلالته على سوء الاستعداد وقبح ما انطوت عليه ذواتهم فِي ذلك الناد {والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ والذي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا} [الأعراف: 58] وأما ما ذكره المفسرون من أن إسناد الختم إليه تعالى باعتبار الخلق فمسلم لا كلام لنا فيه ، وأما إن الذم باعتبار كون ذلك مسبباً عما كسبه الكفار الخ فنقول فيه: إن أرادوا بالكسب ما شاع عند الاشاعرة من مقارنة الفعل لقدرة العبد من غير تأثير لها فيه أصلاً وإنما المؤثر هو ا تعالى فهو مع مخالفته لمعنى الكسب وكونه {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمان مَاء حتى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} [النور: 39] لا يشفى عليلاً ولا يروى غليلاً إذ للخصم أن يقول أي معنى لذم العبد بشيء لا مدخل لقدرته فيه إلا كمدخل اليد الشلاء