وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ومن قرأ: {واتبعناهم ذرياتهم} فهذا في حق الصغار الذين اتبعهم الله إياهم في الإيمان حكما، فدلت القراءتان على النوعين.
قلت: واختصاص الذرية هاهنا بالصغار أظهر، لئلا يلزم استواء المتأخرين بالسابقين في الدرجات، ولا يلزم مثل هذا في الصغار، فإن أطفال كل رجل وذريته معه في درجته، والله أعلم."انتهى."
والقول بالتخصيص بالصغار لا محيد عنه، وإلا لزم منه تساوي الجميع في درجة واحدة، ولكن يشكل عليه قوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} وقوله تعالى: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} .
وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن رفاعة الجهني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (وقد وعدني ربي عز وجل أن يدخل من أمتي سبعين ألفا لا حساب عليهم، ولا عذاب، وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تبوأوا أنتم ومن صلح من آبائكم وأزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة) .
وروي عن سعيد قال: (يدخل الرجل الجنة، فيقول: أين أبي، أين أمي، أين ولدي، أين زوجتي، فيقال: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم، فيقال: أدخلوهم الجنة، ثم قرأ: {جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} ) رواه ابن جرير.
قال ابن كثير في تفسيره:"وقوله: {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} أي: يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين؛ لتقر أعينهم بهم، حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى، من غير تنقيص لذلك الأعلى عن درجته، بل امتنانا من الله وإحسانا، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} "انتهى.
فقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أنه يدخلهم الجنة مع الآباء والأزواج والذريات، وفسره المفسرون كما سبق باجتماعهم فيها في الدرجة وإن لم يبلغ بهم العمل ذلك وفي ذكر الآباء في الآية تنبيه على اشتمال الكبار، هذا إذا فسرنا الآية بالاجتماع في درجة واحدة، أما إن فسرناها بمطلق الدخول ومطلق الاجتماع في الجنة وإن لم يكونوا في درجة واحدة فلا إشكال حينئذ.