وقال ابن زيد في قوله: {وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ} قال: يقول: (لم نظلمهم من عملهم من شيء: لم ننتقصهم فنعطيه ذرياتهم الذين ألحقناهم بهم لم يبلغوا الأعمال ألحقهم بالذين قد بلغوا الأعمال {وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} قال: لم يأخذ عمل الكبار فيجزيه الصغار، وأدخلهم برحمته، والكبار عملوا فدخلوا بأعمالهم) . رواه ابن جرير.
قال ابن القيم في أقسام القرآن:"أخبر سبحانه عن تكميل نعيمهم بإلحاق ذرياتهم بهم في الدرجة وإن لم يعملوا أعمالهم، لتقر أعينهم بهم ويتم سرورهم وفرحهم، وأخبر سبحانه أنه لم ينقص الآباء من عملهم من شيء بهذا الإلحاق، فينزلهم من الدرجة العليا إلى الدرجة السفلى، بل ألحق الأبناء بالآباء ووفر على الآباء أجورهم ودرجاتهم، ثم أخبر سبحانه أن هذا إنما هو فعله في أهل الفضل، وأما أهل العدل فلا يفعل بهم ذلك بل: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} ففي هذا دفع لتوهم التسوية بين الفريقين بهذا الالحاق كما في قوله: {وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} دفع لتوهم حط الآباء إلى درجة الأبناء وقسمة أجور الآباء بينهم وبين الأبناء، فينقص أجر أعمالهم، فرفع هذا التوهم بقوله: {وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} أي ما نقصناهم."انتهى.
قال ابن القيم في الحادي:"وقد اختلف المفسرون في الذرية في هذه الآية، هل المراد بها الصغار أو الكبار أو النوعان على ثلاثة أقوال، واختلافهم مبني على أن قوله: {بإيمان} حال من الذرية والتابعين أو المؤمنين المتبوعين، فقالت طائفة: المعنى {والذين آمنوا واتبعناهم ذرياتهم في إيمانهم} فأتوا من الإيمان بمثل ما أتوا به وألحقناهم بهم في الدرجات، قالوا: ويدل على هذا قراءة من قرأ: {واتبعتم ذريتهم} فجعل الفعل في الإتباع لهم، قالوا: وقد أطلق الله سبحانه الذرية على الكبار كما قال: (ومن ذريته داود وسليمان) وقال: (ذرية من حملنا مع نوح) وقال (وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون) وهذا قول الكبار والعقلاء، قالوا: ويدل على ذلك ما رواه قول سعيد بن جبير عن ابن عباس يرفعه: (إن الله يرفع ذرية المؤمن إلى درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه) . فهذا يدل على أنهم دخلوا الجنة بأعمالهم، ولكن لم يكن لهم أعمال يبلغوا بها درجة آبائهم فبلغهم إياها وإن تقاصر عملهم عنها، قالوا أيضا: فالإيمان هو القول والعمل والنية، وهذا إنما يمكن من الكبار، وعلى هذا فيكون المعنى: إن الله سبحانه يجمع ذرية المؤمن إليه إذا أتوا من الإيمان بمثل إيمانه، إذ هذا حقيقة التبعية، وإن كانوا دونه في الإيمان رفعهم الله إلى درجته إقرارا لعينه وتكميلا لنعيمه، وهذا كما إن زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - معه في الدرجة تبعا وإن لم يبلغوا تلك الدرجة بأعمالهن."