عن سعيد بن أبي هلال قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين وتلا هذه الآية: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم} . فقال: حدثني جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما فقال: (إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا، فقال له: اسمع سمعه أذنك، واعقل عقل قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك، كمثل ملك اتخذ دارا، ثم بنى فيها بيتا، ثم جعل فيها مأدبة، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامهم، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من ترك، فالله هو الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد الرسول من أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل منها) . رواه الترمذي وأبو نعيم في صفة الجنة وهو حديث حسن.
وروي عن ابن عباس في قوله: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} قال (يريد الجنة) رواه أبو نعيم في صفة الجنة.
والدار في الأصل هي مكان الحلول والإقامة في أرض أو بناء، واتفق المفسرون على أن دار السلام هنا هي الجنة، لكنهم اختلفوا في سبب تسميتها بذلك على اقوال:
الأول: أن السلام هنا هو الله، فهو من باب إضافة التشريف كما تقول عن الكعبة بيت الله.
الثاني: أن السلام هنا هو السلامة، كالرضاع بمعنى الرضاعة، فتكون من باب إضافة المعاني، أي أنها دار السلامة والأمن من جميع الآفات والمكروهات والمنغصات والبلايا والرزايا والألم والنكبات والموت والمرض والبدعة والكفر والكد والتعب ونزغات الشيطان ونحو ذلك، فجميع حالات الجنة مقرونة بالسلامة ففي الابتداء يقال لهم: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ} ، وفي داخلها: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} ، وقال تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا} .
الثالث: أنها سميت بذلك لأن التحية في الجنة سلام كما قال تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} ، والله عز وجل يسلم عليهم كما قال تعالى: {سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} ، والملائكة تسلم عليهم كما في الآية التي سبقت.
قال ابن القيم في بدائع الفوائد: (ومنه تسمية الجنة بدار السلام، وفي إضافتها إلى السلام ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها إضافة إلى مالكها السلام سبحانه.