وقال تعالى: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ} .
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} .
وقال تعالى: {جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} .
ومعنى {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} أي: من تحت أشجارها وقصورها وغرفها أي أسفلها وليس المقصود من تحت أرضها.
روى ابن أبي حاتم عن التابعي أبي مالك الغفاري قال: قوله {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} يعني المساكن تجري أسفلها أنهارها.
وهي مثل قوله تعالى: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} ، وقوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ} ، وقال تعالى: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} والمراد أن الأنهار عادة ما تجري من جهة الأسفل من الناس إذا كانوا على ضفافها وحولها.
وقيل: إن المراد من تحتهم أي تحت أمرهم وتصريفهم يصرفونها كيف شاءوا وإلى أين أرادوا.
قال ابن جرير في تفسيره:"وإنما عنى جل ذكره بذكر الجنة: ما في الجنة من أشجارها وثمارها وغروسها، دون أرضها، ولذلك قال عز ذكره {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} لأنه معلوم أنه إنما أراد جل ثناؤه الخبر عن ماء أنهارها أنه جار تحت أشجارها وغروسها وثمارها، لا أنه جار تحت أرضها، لأن الماء إذا كان جاريا تحت الأرض، فلا حظ فيها لعيون من فوقها إلا بكشف الساتر بينها وبينه". انتهى.
قال الرازي في تفسيره"ثم قال: من تحتها إشارة إلى عدم التنغيص، وذلك لأن التنغيص في البستان، إما بسبب عدم الماء الجاري فذكر الجري الدائم، وإما بسبب الغرق والكثرة، فذكر من تحتها"انتهى.
وقد أضاف الله تعالى ضمير الظرف (تحت) في كتابه مرة إلى الجنة كما في الآيات السابقة، وهذه الإضافة أغلبها بزيادة حرف الجر (من) وفي موضع واحد فقط بدونها، وهو قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ