أما إذا كان الأمر في الآية مفرد الأمور فالمراد به القيامة، أو المجازاة يومها، أو قوة الرسالة وكثرة الأمة، أو المراد به نصر الله وفتحه، وعلى القول الأول فالآية منسوخة بآيات القتال، وعلى القول الثاني فالآية محكمة غير منسوخة، وعلى القول بأنها محكمة فنحن مأمورون بالصفح والعفو حتى يأتي النصر والفتح والغلبة، وعندئذ فإن حكم الله ينفذ فيهم، ومحاكمنا تحاكم شططهم، وسلطتنا تمنع تجاوزاتهم، وتحول دون مكرهم، وتحظر مؤسساتهم التي يقيمونها لفتنة المسلمين وخديعتهم.
وعلى القول بأنها محكمة فهي واحدة من آيات محكمات في شأن التعامل مع أهل الكتاب، وقوتنا وضعفنا هي التي تحكم موقفنا وخطتنا، وضرورات حركتنا هي التي تحدد الموقف المختار ثم قال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فهو يقدر على الانتقام منهم، ويقدر على الإتيان بما
شاء من أمر.
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ قال الألوسي: أمرهم بالمخالقة والالتجاء إليه تعالى بالعبادة البدنية والمالية؛ لأنها تدفع عنهم ما يكرهون وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ أي من حسنة صلاة أو صدقة أو غيرهما تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ أي تجدوا ثوابه عنده إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فلا يضيع عنده عمل عامل، أمرهم بالعفو والصفح، ثم حثهم على الاشتغال بما ينفعهم وتعود عليهم عاقبته يوم القيامة من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة حتى يأتي الله بالنصر. وأخبرهم تعالى أنه لا يغفل عن عمل عامل ولا يضيع لديه سواء كان خيرا أو شرا، فإنه سيجازي كل عامل بعمله. قال ابن جرير في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: وهذا الكلام وإن كان خرج مخرج الخبر فإن فيه وعدا وأمرا وزجرا، وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم ليجدوا في طاعته إذ كان ذلك مذخورا لهم عنده حتى يثيبهم عليه.