ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها طعن اليهود في النسخ فقالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا فنزلت هذه الآية. والنسخ لغة: التبديل. وشريعة: بيان انتهاء الحكم الشرعي المطلق الذي تقرر في أوهامنا استمراره بطريق التراخي فكان تبديلا في حقنا، بيانا محضا في
حق صاحب الشرع. والإنساء: أن يذهب بحفظها من القلوب نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أي نأت بخير من الذي نسخناه أو مثل الذي تركناه، أي في الحكم بالنسبة لمصلحة المكلفين إما أنفع وإما أرفق وإما أكثر ثوابا. قال قتادة: فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي قادر فهو يقدر على الخير وعلى مثله وعلى أفضل منه
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فهو يملك أموركم ويدبرها، وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ أو منسوخ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يلي أموركم وَلا نَصِيرٍ أي ناصر ينصركم من العذاب. قال ابن كثير: «يرشد عباده تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر وهو المتصرف، فكما خلقهم كما يشاء؛ يسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ؛ فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى. فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله، في تصديق ما أخبروا، وامتثال ما أمروا، وترك ما عنه زجروا. وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود، وتزييف شبهتهم - لعنهم الله - في دعوى استحالة النسخ إما عقلا كما زعمه بعضهم جهلا وكفرا، وإما نقلا كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكا.