"وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ" (الأعراف: 127) ، وقوله تعالى:
"فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ" (الطور: 45)
وتأمل معنى الثاني في قوله تعالى:
"مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ ومَا قَلَى" (الضحى: 3)
والتشديد فيه للمبالغة؛ لأن من ودَّعك مفارقًا، فقد بالغ في تركك.
أما قوله تعالى:"ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ"فهو استبعاد لطمعه وحرصه على الزيادة، واستنكار لذلك. هذا ما دلت عليه"ثُمَّ". وإنما استبعد ذلك منه، واستنكر؛ لأنه أعطي المال والبنين، وبسط له الجاه العريض، والرياسة في قومه، واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا، فلا مزيد على ما أعطي وأوتي. أو لأن طمعه في الزيادة لا يناسب ما هو عليه من كفران النعم ومعاندة المنعم؛ ولذلك ردعه الله تعالى ردعًا عنيفًا عن ذلك الطمع، الذي لم يقدم طاعة ولا شكرًا لله، يرجو بسببه المزيد؛ بل عاند دلائل الحق، ووقف في وجه الدعوة، وحارب رسولها، وصد عنها نفسه وغيره، وأطلق حواليها الأضاليل فقال سبحانه وتعالى:
"كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا" (المدثر: 16)
فقوله تعالى:"كَلاَّ"ردعٌ وزجرٌ له، وردٌّ لطمعه الفارغ، وقطعٌ لرجائه الخائب.
وقوله تعالى:"إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا"تعليل لذلك الطمع على سبيل الاستئناف؛ فإن معاندة آيات المنعم مع وضوحها، وكفران نعمه مع سبوغها، مما يوجب إزالة النعمة المانعة عن الزيادة والحرمان منها بالكلية؛ وإنما أوتي هذا المعاند ما أوتي، استدراجًا له. قيل: ما زال بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده، حتى هلكوا.
ثم يعقِّب الله تعالى على هذا الردع والزجر بالوعيد، الذي يبدل اليسر، الذي جعِل فيه عسرًا، والتمهيد الذي مهِّد له مشقة، فيقول سبحانه وتعالى:
"سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا" (المدثر: 17)