وهو مثل لما يلقى منالعذاب الصعب، الذي لا يطاق، يصور حركة المشقة. فالتصعيد في الطريق هو أشق السير وأشده إرهاقًا. فإذا كان دفعًا من غير إرادة من المصعد، كان أكثر مشقة وأعظم إرهاقًا. وهو في الوقت ذاته تعبير عن حقيقة. فالذي ينحرف عن طريق الإيمان السهل الميسر، يندبُّ في طريق وعر شاق مبتوت، ويقطع الحياة في قلق وشدة وكربة وضيق؛ كأنما يصعد في السماء، أو يصعد في وعر صلد، لا ريَّ فيه ولا زاد، ولا راحة ولا أمل في نهاية الطريق!
وفي الترغيب والترهيب للمنذري عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال في قوله تعالى"سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا":"جبل من نار يكلَّف أن يصعده، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، يصعد سبعين خريفًا، ثم يهوي كذلك". رواه (أحمد والحاكم والترمذي) .
ثم يرسم الله تعالى لهذا الرجل المكذب المعاند صورة منكرة، تثير الهزء والسخرية من حاله وملامح وجهه ونفسه، التي تبرز من خلال الكلمات؛ كأنها حية شاخصة متحركة الملامح والسمات، فيقول سبحانه:
"إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ" (المدثر: 18 - 25)
فالرجل يكد ذهنه، ويعصر أعصابه، ويقبض جبينه، وتكلح ملامحه وقسماته. كل ذلك ليجد عيبًا يعيب به هذا القرآن العظيم، وليجد قولاً يقوله فيه. وبعد هذا المخاض كله يلد الجبل فأرًا، وبعد هذا الحَزق كله، لا يُفتح عليه بشيء، فيولي عن النور مدبرًا، ويصد عن الحق مستكبرًا، ويقول:
"إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ"!
وقوله تعالى:"إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ"تعليلٌ للوعيد، واستحقاقه له. أو هو بيان لعناده لآيات الله تعالى.