هذا التفسير على أساس أن الكتاب هو كتاب أهل الكتاب الذي آمنوا به ولم يحرفوه عن مواضعه، ولم يكتبوه بأيديهم ويلوون به ألسنتهم، ويقولون هو من عند الله، وما هو من عند الله.
ولكن من المفسرين من قالوا إنه القرآن الكريم، وإطلاق اسم الكتاب عليه من غير ذكر أنه القرآن، للدلالة على كماله وأنه لَا يماثله من الكتب كتاب ولو كان سماويا، لأنه الكتاب الكامل الذي لَا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، مثل قوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ. . .) .
ويكون معنى تلاوته حق تلاوته أن يتدبر معناه، ويتعظ بمواعظه، ويعتبر بقصصه كما ذكرنا آنفا، ولقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يتلو القرآن إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب تعوذ ولقد قال عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، في معنى قوله: (ويَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ) : الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منه ولقد قال الحسن البصري في الذين يتلونه حق تلاوته: هم الذين يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه، ويتفهمون معانيه.
هؤلاء هم أهل الإيمان - من الماضين - بكتبهم، المؤمنون بالقرآن الكتاب الأكمل، أما من كفروا فقد ذكر الله تعالى ما يستميلهم، فقال تعالت كلماته: (وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) الكفر به جحود بآياته وإنكار لأحكامه، ومعاندة، وقال أولئك الإشارة إليهم محكمين كفرهم متصفين به، وحكم سبحانه بالخسران مؤكدا له بضمير الفصل هم، وبالجملة الاسمية وبحصرهم في الخسران، والله أعلم بهم.
(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ(122)
تقدم بيان معاني هاتين الآيتين الكريمتين، وبقى أن يسأل سائل لماذا تكررت الآيتان، ونقول إنه ابتدأت قصة بني اسرائيل بهاتين الآيتين، وذكر من بعدها النعم المتوالية، والكفر المتوالي، وكيف كانت النعم لَا تزيدهم إلا كفرًا وخسارًا، وذكر سبحانه وتعالى تقلبهم في نعمه تبارك وتعالى، وكفرهم المتوالي بهذه النعم.